منتدى قائم على منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية


    السياسة الشرعية قاصرة على المجتهد”للشيخ عبد الملك رمضاني ”

    شاطر

    أحمد سالم‏

    ذكر عدد الرسائل : 4
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 14
    تاريخ التسجيل : 15/05/2011

    السياسة الشرعية قاصرة على المجتهد”للشيخ عبد الملك رمضاني ”

    مُساهمة من طرف أحمد سالم‏ في الأحد مايو 15, 2011 8:10 pm

    السياسة الشرعية قاصرة على المجتهد

    هذه مجرد تنبيهات سريعة، وإلا فحديثي هنا منصبٌّ على شروط مَن يتصدَّى للفتيا في النوازل السياسية، وأخصُّ من هذه الشروط شرطاً واحداً؛ لأنَّه الأهم، ولأن جل العاملين في هذا الميدان لا يراعونه، قال ابن القيم
    ـ رحمه الله ـ: ” العالم بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة فهو المجتهد في النوازل، فهذا النوع الذي يَسوغ لهم الإفتاء ويَسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرضُ الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم رسول الله (ص): » إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّد لها
    دينها « “.
    قلت: أي بلوغ درجة الاجتهاد كما قال الماوردي: ” العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام” ، وقال الشاطبي: ” بل إذا عرضت النوازل روجع بها أصولها فوُجدَت فيها، ولا يجدها مَن ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه ).
    فتدبر هذا العلم! وتدبر هذه الدقة التي لو حرص الإسلاميون على تحقيقها لصانوا هذا الدين من عبث حدثاء الأسنان.
    ويشبهه قول محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في شروط الإمام: ” أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، مجتهداً يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث “.
    وقد مثَّل ابن رجب لهذا بالإمام أحمد ـ رحمهما الله ـ؛ فقد بيَّن وجه استحقاقه لمنصب الفتوى في الحوادث ـ أي النوازل ـ بأن وَصَفه ببلوغ النهاية في معرفته بالقرآن والسنة والآثار، فمِنَ القرآن: ناسخه ومنسوخه، ومُقدَّمه ومُؤَخَّره، وجَمْعه في تفسيره مِن أقوال الصحابة والتابِعين الشيءَ الكبير. ومِنَ السنة: حِفْظُه لها، ومعرفته بصحيحها من سقيمها، ومعرفته بالثقات من المجروحين، وبطُرق الحديث وعلله، ليس في المرفوع منه فحسب، بل وفي الموقوف منه! وبفقهه. وبعلوم الأئمة: ذَكر أنه عُرِض عليه عامّة أقوالهم … إلى أن قال: ” ومعلوم أنَّ مَن فَهِمَ عِلْم هذه العلوم كلّها وبرع فيها، فأسهلُ شيء عنده معرفةُ الحوادث والجواب عنها، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة، ومِنْ هنا قال عنه أبو ثور: كان أحمد إذا سئل عن مسألةٍ كأنَّ عِلْمَ الدنيا لَوْحٌ بين عينيه، أو كما قال “.
    قلت: فأيُّ هؤلاء الذين ابتدعوا اليوم ( فقه الواقع ) ـ لِيُسقِطوا به العلماء ـ تَرَوْنه قد بلغ في العلوم هذه الغاية، حتى جعلتموه في نوازل السياسة لكم آية؟!
    لقد كان أحمد ـ رحمه الله ـ يُفتي في الحوادث وينهى تلامذته عن ذلك؛ قال ابن رجب: ” وأمّا عِلْمُ الإسلام ـ يعني الحلال والحرام كما فسَّره هو في كتابه المذكور ص (46) ـ فكان يُجيب فيه عن الحوادث الواقعة ممّا لم يَسبق فيها كلامٌ؛ للحاجة إلى ذلك، مع نَهْيه لأصحابه أن يتكلَّموا في مسائل ليس لهم فيها إمام ).
    ومِن كلام ابن القيّم السابق تَعلم أن رجوع الشباب اليوم في النوازل السياسية إلى الحركيين والمتكوِّنين على موائد المجلات ووسائل الإعلام والمتخرِّجين من خلايا المخيَّمات ـ مهما زعموا أنهم متحرِّرون من قيود غابر المذاهب أو متضلِّعون بأسرار ما يعاصرون من المذاهب ـ مصادمٌ لهذه النصوص التي أوردتُها عن هؤلاء الأعلام، وأن المعمَّمين من مقلِّدة المذاهب غير داخلين في قول ابن القيّم: ( الذين يسوغ استفتاؤهم ويتأدَّى بهم فرض الاجتهاد …) مهما ( تَدَكْتَرُوا )؛ لأنَّ المقلِّد غير المجتهد، بل المقلّد هو الجاهل! كما هو معلوم من كتب أصول الفقه؛ قال الخطيب البغدادي: ” … حتى يجد طريقاً إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحقّ من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه، ولا يجوز له الإخلال بشيء منه ).
    ولهذا كان مِنَ الأهمية بمكان أن يُمَيِّز طالبُ العلم أهلَ الفتوى في هذا الميدان مِن غيرهم ممّن تسوّروا المحراب، أو دخلوه من غير هذا الباب؛ فقد كان سلفُنا الصالح على دراية تامَّة بذلك؛ قال أبو حاتم الرازي ـ رحمه الله ـ:
    ” مذهبنا واختيارنا اتِّباعُ رسول الله (ص) وأصحابه والتَّابعين ومَن بعدهم بإحسانٍ … ولزوم الكتاب والسنة والذَّبّ عن الأئمّة المتَّبِعة لآثار السلف، واختيار ما اختاره أهلُ السنة من الأئمة في الأمصار، مثل مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشّام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري وحمّاد بن زيد بالعراق، مِنَ الحوادث ممَّا لا يوجد فيه رواية عن النبيّ (ص) والصحابة والتَّابعين، وتَرْك رأي المُلَبِّسين المُمَوِّهين المزخرفين الممخرِقين الكذَّابين!” .
    إذاً فقد بان لذي بصيرة الطّالب للحقّ مَن يسوغ استفتاؤه في هذا.
    فمالكم ـ يا شباب الإسلام! ـ تتهافتون على السياسة، وتهوي إليها أفئدتكم، وتأتون مجالسها من كل فجٍّ عميق، كأنها لكم! ولعل رجالها لم يخلقوا بعد في أوساطكم؟! فأولى لكم: تعلُّم ما في الكتاب والسنة مما تقدرون عليه ويجب عليكم أو يُستحب؛ لأنه أثبت لاستقامتكم وأضمن لوصولكم إلى ما قفزتم إليه الآن، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}.
    ولما أضحى العملُ السياسي ـ الذي يؤمّه الشبابُ اليوم ـ مطيّةً للولوغ به إلى العنف المسمَّى زوراً جهاداً، ولما كان هؤلاء ـ أنصافُ المتعلِّمين ـ يهجمون بلا تردّد ولا تحفُّظ على البحث في دقائق مسائل الجهاد، أجدني حينئذ حريصاً على نقل كلمة عظيمة لابن تيمية ـ رحمه الله ـ قالها في معرض كلامه عن الجهاد، فقال: ” وفي الجملة فالبحثُ في هذه الدَّقائق من وظيفة خَواصّ أهل العلم “.
    وعن أبي هريرة : قال: قال رسول الله (ص): » سيأتي على الناس سنوات خدّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيْبِضة «، قيل: وما الرويبضة؟ قال:
    » الرجل التافه يتكلم في أمر العامة « رواه ابن ماجه وهو صحيح.
    قال أبو شامة: ” وأكثر ما أُتي الناس في البدع بهذا السبب؛ يُظَنُّ في شخص أنه من أهل العلم والتقوى، وليس هو في نفس الأمر كذلك، فيَرْمقون أقواله وأفعاله، فيَتَّبِعونه في ذلك، فتفسد أمورهم؛ ففي الحديث عن ثوبان :radia: أن النبي (ص)قال: (( إنّ مما أتخوَّف على أمتي الأئمةَ المُضلِّين )) أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث صحيح، وفي (( الصحيح )) أن النبي (ص)قال: (( إنّ
    الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يَقبض
    العلم بقبض العلماء، وحتى إذا لم يَبق عالمٌ اتَّخذ الناسُ رؤوساً
    جهالا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلُّوا ))، قال الإمام الطرطوشي
    ـ رحمه الله ـ: فتدبَّروا هذا الحديث؛ فإنه يدلّ على أنه لا يُؤتَى الناسُ قط من قِبَل علمائهم، وإنما يُؤتَوْن من قِبل أنه إذا مات علماؤهم أفتَى مَن ليس بعالم، فيُؤتَى الناسُ من قِبَله، قال: وقد صرَّف عمر :radia:هذا المعنى تصريفاً فقال: ( ما خان أمين قط، ولكن ائتُمن غير أمين فخان )، قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالِم قطّ، ولكن استُفتي مِن ليس بعالم فضلّ وأضلّ، وكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: بكى ربيعةُ يوماً بكاءً شديداً، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: ( لا! ولكن استُفتي مَن لا عِلم عنده وظهر في الإسلام أمر
    عظيم ).
    قلت: وعلى هذا كان هدي السلف؛ قال هشام بن عروة: ” ما سمعتُ أبي يقول في شيء قطّ برأيه، قال: وربما سئل عن الشيء فيقول: هذا مِن خالص السلطان “.
    وقال ابن هرمز: ” أدركتُ أهل المدينة، وما فيها إلا الكتاب والسنة، والأمر ينزِل فينظر فيه السلطان “.
    فمَن هو الرجل الصالح لذلك إذن؟ قال الله تعالى: {إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزَادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ} فهو ليس عالماً فقط، بل مبسوطٌ له في العلم! قال ابن مسعود :radia:: ” لايزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا “.
    وقال الشعبي ـ رحمه الله ـ: ” ما جاءك من أصحاب محمدٍ (ص)فخذه، ودع عنك ما يقول هؤلاء الصعافقة “، قيل الصعافقة: الذين يدخلون السوق بلا رأس مال، أراد الذين لا علم لهم “.
    وعلى هذا كان أصحاب رسول الله (ص)ألا ترى كيف لم يختلفوا في تولية أبي بكر :radia:إلا في جلسة واحدة تحت سقيفة، الأمر الذي لا تعرفه الديمقراطيات علىالرغم من أنها مدعومة بالحديد، واختاروا أبا بكر لأنه كان كما جاء وصفه في حديث أبي سعيد قال: ” وكان أبو بكر أعلمنا ” متفق عليه.
    وقد كان رسول الله (ص)لا يشاور في القضايا السياسية إلا أبا بكر وعمر ومن هم على مستواهما، وما قصة أسرى بدر عنكم ببعيد.
    ومما يدل على أن أهل العلم المبرزين كان لهم مجلس خاص بهم لا يشاركهم فيه غيرهم ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم:لِمَ يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: ” إنه ممن قد علمتم “.
    وإنما امتاز ابن عباس بالدخول على المجتهدين دون غيره من الشباب لتميُّزه عنهم بدعاء الرسول (ص): » اللهم فقِّهه في الدين وعَلِّمه التأويل « رواه أحمد وهو صحيح. قال ابن القيم: ” ودعا النبي (ص)لعبدالله بن عباس أن يُفقِّهه في الدين ويُعَلِّمه التأويل، والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهْم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يَؤول إليها المعنى التي هي أخيّته وأصله، وليس كل مَن فَقه في الدين عَرَف التأويل، فمعرفة التأويل يَختص به الراسخون في العلم “.
    قلت: تأمل هذا تفهم سبب عدم الاكتفاء في أمر السياسة بالعلم، بل لا بدّ من الرسوخ فيه، ومَن عرَف مِن الشباب تأويل ابن عباس لسورة النصر ـ كما في تمام قصة عمر السابقة ـ عرَف هل يَصلح لهذا الأمر أو لا؟
    وروى البخاري عن ابن عباس قال: كنتُ أُقْريء رجالا من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبدالرحمن فقال: لو رأيتَ رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ماكانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذِّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم، قال عبدالرحمن: فقلت: ” يا أمير المؤمنين! لا تفعل، فإن الموسم يجمع رَعاع الناس وغوغاءهم؛ فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيِّرها عنك كل مطير، وأن لا يَعُوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها “، فقال عمر: ” أما والله ـ إن شاء الله ـ لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة … “.
    فما أعظم هذه المشورة! وما أقواه من مجتمع عرف مقادير الأشياء! وأين هذه التربية والنظر الحصيف من قوم يذيعون كل خبر عند العوام والخواص، خاصة منها الأخبار السياسية التي فتنت الناس اليوم، يتحدثون عنها في حماسة كبيرة كأنهم يستغيثون بالخلق من ظلم الخلق، لا تراه عليهم وهم يقررون التوحيد ويدفعون الشرك. وهل كان عمر يجمع الناس ويقول لهم: اجمعوا لي قصاصات الجرائد، وأنا أحللها لكم علانية، في شجاعة تامة، لا أخاف حاكما ولا طاغوتاً؟!
    كلا! لا يتصور هذا في عمر :radia:الذي زجره النبي (ص)زجرا شديدا عن تتبع صحائف أهل الكتاب، فعن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي (ص)بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النبي (ص)فغضب قال:
    » أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟!، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى (ص)كان حيا ما وسعه إلا أن يتَّبعني « رواه أحمد وغيره وهو صحيح.
    ثم ألا تذكرون قصة الشورى في اختيار الخليفة من بعد عمر؟ ألم يكن الصحابة أكثر من عشرة آلاف؟ فلم يزد الأمر على أن تشاور ستة من أعيانهم فقط. وشبابنا اليوم يريدون من كبار المشايخ أن يخرجوا من الكتب الصفراء ليشاركوا أمتهم أحزانها زعموا، يريدون منهم أن يكونوا تحت ضغط الاستفزازات السياسية، ألا فهاكم كلمة حكيمة للشيخ ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ لما سأله بعض المستعجلين في جرأة سخيفة: لماذا لا تردون على الحكام وتُبَيِّنوا ذلك للناس؟
    قال الشيخ في وقاره وحلمه: ” .. ولكن النصح مبذول … والله! أنا أعلمتُك يا أخ ( فلان! ) وأعلمتُ الإخوان أن بيان ما نفعله مع الولاة فيه مفسدتان:
    المفسدة الأولى: أن الإنسان يَخشى على نفسه من الرياء، فيبطل عمله.
    المفسدة الثانية: أن الولاة لو لم يُطيعوا صار حجة على الولاة عند العامة فثاروا، وحصَل مفسدة أكبر “.
    فتأمّلوا هذا الجواب الحكيم فإنه مستوحى من جواب بعض السلف حيث طلب منه بعض الثائرين أن ينكر على الخليفة عثمان بن عفان :radia:ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه؟ فقال: ” أترون أني لا أكلمه إلا أُسمِعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحه “. وفي رواية: ” إني أكلمه في السر “.
    ومثله ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ” دخلتُ على حفصة ونسْواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما تَرَيْن، فلم يُجعل لي من الأمر شيء، قالت: اِلْحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدَعْهُ حتى ذهب، فلما تفرَّق الناسُ خطب معاوية قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليُطْلع لنا قرنه، فلنحن أحقُّ به منه ومن أبيه، قال حبيب بن مسلمة: فهلاَّ أجبته؟ قال عبد الله: فحللتُ حَبْوتي وهممت أن أقول: أحقّ بهذا الأمر منك مَن قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيتُ أن أقول كلمة تفرِّق بين الجمع وتَسفِك الدم ويُحمَل عني غير ذلك، فذكرتُ ما أعدَّ الله في الجنان، قال حبيب: حُفظتَ وعُصمتَ “.
    قلت: يظهر من هذه الرواية رجاحة عقل ابن عمر رضي الله عنهما وسياسته الرشيدة؛ حيث منَعته مصلحة اجتماع الأمة على رجل واحد مِن ذكر مصلحته الخاصة، على الرغم من أن معاوية :radia:كان يقصده بكلمته تلك؛ كما في رواية عبد الرزاق بسند البخاري نفسه، قال الراوي: ” يُعَرِّض بعبد الله بن عمر “، ثم لا بدّ من التنبيه على أنه جاء في » أمالي ابن الأنباري « زيادة بالسند الآتي، قال الراوي: حدَّثنا محمد ثنا أبو بكر ثنا موسى بن محمد الخياط ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن هزيل بن شرحبيل قال: ” خطب الناسَ معاويةُ فقال: لو بايع الناسُ عبدا مجدَّعا لتبعتُهم، ولو لم يبايعوني برضاهم ما أكرهتُهم، فنزل، فقال له عمرو بن العاص: قد قلتَ قولا ينبغي أن تأمَّله، فرجع إلى المنبر فقال … ” بنحوه.
    قلت: فيُفهَم من هذه الرواية أن معاوية قال كلمةَ تواضعٍ في وقت اشتداد الفتن ـ أيام صفين كما نبَّه عليه الحافظ ـ الأمر الذي يتنافى مع سياسة الأمة بالحزم سدًّا لأبواب الشر، ولذلك لما نبَّهه عمرو بن العاص :radia:غيَّر اللهجة، وهذا ـ بغضّ النظر عن قضية صفين ـ هو الذي تقتضيه السياسة؛ فقد نصّ بعض الفقهاء على أن سلوك السياسة هو الأخذ بالحزم، وعند بعضهم أن السياسة شَرْعٌ مغلّظ، والله أعلم.
    أذكركم بهذا لتعلموا أن شيوخ السلفية لا يتخطون خطى السلف، فليعرف لهم قدرهم من للحق انتصف.
    فيا شباب الإسلام! توعية الأمة ليست بحاجة إلى داعية متحمس ولكن إلى مجتهد متفرس. فهل آن لكم أن تفرقوا بينهما؟
    وأن تعرفوا أن فقه الواقع راجع إلى الذين شابت رؤوسهم مع نصوص الشارع، إنكم بجرأتكم هذه على أهل العلم واستصغاركم لهم واستخفافكم العملي بالوحيين وحملتهما، وتعظيمكم المدهش لحملة قصاصات الجرائد لنذير شر مستطير قال الله تعالى : {وقالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْءَانَ مَهْجُوراً}.
    وتأملوا ما رواه البخاري عن ابن عباس ” أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس ( في وفاة رسول الله (ص))، فقال : اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال اجلس، فأبى أن يجلس، فتشهد أبو بكر :radia:فمال إليه الناسُ وتركوا عمر “. تركوا عمر ـ وما أدراك ما عمر! ـ لأنهم وجدوا أفضل وأعلم من عمر، وبرباطة جأش أبي بكر، وبحسن استماع الرعية، وبعدهم عن الحماسة التي لا تدعمها النصوص عُرف مصدر التلقي، فخمدت الفتنة في مهدها.
    فلماذا زهدتم في المشايخ الكبار الذين أفنوا أعمارهم مع العلم تعلُّماً وتعليماً مع جَلَدٍ في الدعوة إلى الله أمثال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان وغيرهم، ومِلْتم إلى ( طلبة العلم !! ) أول خطئهم التشبّع بما لم يعطوا حين عُنُوا بالتوجيه السياسي، وقد كفاهموه هؤلاء، لولا أنه قد قيل ويا بئس ما قيل: ( علماؤنا .. عندهم تقصير في معرفة الواقع .. نحن نستكملهم ) !!
    وحتى الشيخ الألباني الذي ظل رَدْحا من الزمن متَّهَما بما اتُهِم به إخوانُه من المذكورين، رَقَّوْه اليوم وأوصلوه بصف فقهاء الواقع، لكن على حذر شديد جدا؛ لأنه لا يزال عندهم محدِّثا فقط، ولذا لم يبلغ رتبة فقيه الواقع
    ـ عندهم ـ بفقهه، ولكن بفتواه في قضية الخليج التي وقعت في الوقت المناسب على قلوب تهواها، لا لدليلها، ولكن لتهييجها السياسي. ومثل هذا حب بعض الإخوان المسلمين لابن تيمية والإشادة بفضله، لا باعتبار عقيدته وفقهه وجهاده العلمي؛ لأن هذا لا يهتمون به إن لم يقفوا في وجهه، لكن فقط لأنه وقف في صف الجهاد ضد التتار فتأمل هذا الولاء السياسي المحض، وقل لا حول ولا قوة إلا بالله.
    منقول من كتاب
    مدارك النَّظر في السّياسة
    بين التطبيقات الشّرعية والانفعالات الحَمَاسية

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 8:08 am