منتدى قائم على منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية


    علماء أهل الحديث زينة الحياة الدنيا وغرس الله في الدين فحافظوا على منزلتهم، وعودوا إلى فهمهم عند الخلاف

    شاطر
    avatar
    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    علماء أهل الحديث زينة الحياة الدنيا وغرس الله في الدين فحافظوا على منزلتهم، وعودوا إلى فهمهم عند الخلاف

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الإثنين فبراير 02, 2009 12:06 pm

    علماء أهل الحديث زينة الحياة الدنيا وغرس الله في الدين فحافظوا
    على منزلتهم، وعودوا إلى فهمهم عند الخلاف.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُحِيطُ
    بِخَفِيَّاتِ الْغُيُوبِ، الْمُطَّلِعِ عَلَى سَرَائِرِ الْقُلُوبِ، بَارِئِ
    النَّسَمِ وَخَالِقِ الْأُمَمِ، أَعْطَى ومنع وَخَفَضَ وَرَفَعَ وَضَرَّ وَنَفَعَ
    فَلا مُشَارِكَ لَهُ فِي إنْعَامِهِ وَألوهِيَّتِهِ وَلَا مُعَانِدَ لَهُ فِي
    أَحْكَامِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَلا مُنَازِعَ لَهُ فِي إبْرَامَاتِهِ
    وَأَقْضِيَتِهِ.
    أَلْزَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ،
    وَأَمَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
    وَالسَّلامُ بِحِفْظِ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ، وَمَدَحَ نَفْسَهُ وَكَثِيرًا
    مِنْ خَوَاصِّهِ بِالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ، وَوَصَفَ بِضِدِّ ذَلِكَ إبْلِيسَ
    وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَوِي الْبُعْدِ وَالطَّرْدِ، وَاسْتَخْلَصَ الْعُلَمَاءَ
    بِعِنَايَتِهِ وَجَمِيلِ لُطْفِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الْجَهَالاتِ، وَجَعَلَهُمْ
    أُمَنَاءَ عَلَى خَلْقِهِ، يَقُومُونَ بِحِفْظِ شَرِيعَتِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا
    الْخَلْقَ تِلْكَ الْأَمَانَاتِ، فَهُمْ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ، وَخُلَفَاءُ
    الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ
    وَيُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
    وأشهد أنّ محمد عبده ورسوله.

    أما بعد:
    إنّ حاجةَ الأمةِ إلى العلماء
    الربانين أكثرُ من حاجتها إلى الأطباء والمهندسين، فهم زينة الحياة الدنيا،
    ومرجعُها في القضايا المدلهمة، والله جلّ وعلا قد رفع منزلتهم في القرآن، وأشاد
    بشأنهم بأوضح بيان فقال: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ
    أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]، وقال تعالى:
    [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا
    يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ]، وجعلهم من أهل الشهادة على وحدانيته، فقال
    تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ
    وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ
    الْحَكِيمُ﴾.
    قال العلامة ابن كثير في تفسيره (2/18،ط: الشعب) رحمه الله: (وهذه
    خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام).
    وقال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره
    (1/364): (وفي هذه الآية فضيلة للعلماء، لأن الله خصهم بالذكر من دون
    البشر..).
    وقال تعالى: [وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى
    قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ].
    قال
    العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: (فإن العلمَ يرفع اللهُ به صاحبه فوق العباد
    درجات، خصوصا العالم العاملُ المعلِّمُ، فإنه يجعله الله إماما للناس بحسب حاله،
    ترمق أفعاله، وتقتفى آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره).
    وقال
    تعالى:  نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ، أي
    يرفع من يشاء بالعلم كما رفع يوسف على إخوته.
    وقال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى
    اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
    قال العلامة ابن كثير في تفسيره (6/530،
    ط: الشعب) يرحمه الله: (إنما يخشاه حقّ خشيته العلماءُ العارفون به، لأنّه كلما
    كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء
    الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية أعظم وأكثر).
    أما
    الأحاديث الآمرة بإكرام العلماء وإجلالهم وتوقيرهم، والترهيب من إضاعتهم، وعدم
    المبالاة بهم فكثيرة جداً، أذكر منها ما يحضرني.
    فعن جابر بن عبد الله رضي الله
    عنه أن النبي صل الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد -يعني في القبر
    الواحد- ثم يقول: (أيها أكثر أخذاً للقرآن) فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد)
    صحيح: أخرجه البخاري (رقم:1343).
    وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى
    الله عليه وسلم قال:(البركة مع أكابركـم). رواه الطبراني في الأوسط (9/16 ، ط:
    الحرمين) ، والحاكم (1/62) وقال على شرط البخاري، ووافقه الذهبي،وصححه العلامة
    الألباني. انظر تخريج كاملا في كتابنا (الأمن).
    وعن عبادة بن الصامت رضي الله
    عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من أمتي من لم يحترم كبيرنا ويرحم
    صغيرنا ويعرف لعالمنا). أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وحسن إسناده العلامة
    الألباني.
    وصحّ عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (..وإنّ العالم ليستغفر له
    من في السموات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر
    على سائر الكواكب، وأن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا
    درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر).
    وأما آثار السلف في الباب
    فأكثر من أن تحصر، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (إنْ كان ليبلغني الحديث عن
    رجلٍ؛ فآتي بابه، وهو قائل، فأتوسّد ردائي على بابه، تسفي الريح عليّ من التراب،
    فيخرج عليّ فيقول: يا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك؟ ألا أرسلت
    إليّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحقّ أن آتيك فأسأل عن الحديث) أخرجه الخطيب في الفقيه
    والمتفقه بإسناد صحيح.
    وكان رضي الله عنه يفعل هذا مع أبي بن كعب، وزيد بن ثابت
    وغيرهما.
    وجاء عن عمر من طرق يقوي بعضها بعضا أنه قال: (تعلّموا العلم، وتعلموا
    السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولمن تعلمونه).
    وعن الشعبي قال: صلى
    زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال
    له زيد: خلّ عنه يا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس: (هكذا
    يفعل بالعلماء والكبراء).
    إنّ المقصودَ من هذه الصديرة هم علماء أهل الحديث
    والأثر، أصحاب العلم الشرعي، والسائرون على منهج السلف الصالح في الفهم والاستنباط،
    فهؤلاء الذين تجب طاعتهم بالمعروف كما جاء عن الصحابة في تفسير قوله تعالى [يَا
    أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي
    الأَمْرِ]، فقالوا: هم الأمراء والعلماء.
    قال الإمام أحمد عن الإمام الشافعي،
    عندم قال له ابنه عبد الله: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر له من الدعاء؟
    قال: يا بني كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف، أو منهما
    عوض).
    إن احترام العلماء وتبجيلهم، وذكرهم بالجميل طريقة أهل الحديث والأثر، فقد
    قال العلامة أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: (وعلماء السلف السابقون، ومن بعدهم، أهل
    الخير والأثر، أهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على
    غير سبيل).
    قال الشارح ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: (قال تعالى: [وَمَن
    يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
    سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ
    مَصِيرًا]، يجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به
    القرآن الكريم، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى
    بها في ظلمات البر والبحر).
    فينبغي على الأمة أن تُظهر حاجتها إلى العلماء،
    وتوقيرها لهم، ورغبتها الشديدة في الاستفادة من علومهم، فإنّ ذلك أولا: يبعث على
    تنشيط العالم على البحث والتحقيق، والمشاركة في علاج مشاكل أمته بما
    استطاع.
    وثانيا: يحفز أبناء الأمة إلى السعي في تحصيل المنافع والعلوم، مادامت
    الأمة محترمة للعلماء، موقرة لهم ، رافعةً من شأنهم، فهذا نبيّ الله موسى صلى الله
    عليه وسلم وهو من أولي العزم من الرُّسل يقول لنبي الله الخضر: [قَالَ لَهُ مُوسَى
    هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا].
    قال
    العلاّمة السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (إظهار حاجته إلى المعلم، وأنّه
    يتعلم منه مشتاق إلى ما عنده، بخلاف حال أهل الكبر والجفاء؛ الذين لا يظهرون حاجتهم
    إلى علم المعلم، فلا أنفع للمتعلم من إظهار الحاجة إلى علم المعلم، وشُكره على
    تعليمه).
    روى عبد الرزاق في مصنفه بسنده إلى طاووس أنه قال: (من السّنة أن يوقر
    أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسّلطان، والوالد).
    إن العلماء مَرجعُ الأمّة في
    الأحكام الشرعية، كما قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً
    نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]،
    وقد أمر الله بالرجوع إليهم في الأمور المهمة والعويصة، وما يتعلق بمصالح الأمة في
    عقيدتها وفي معاشها ودنياها، وما يستجد من النوازل الجديدة، وما يحصل لها من الفتن
    والشرور، التي تهز أمنها وتضعف كيانها؛ كما قال تعالى: [وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ
    مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
    وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ
    وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ
    إِلاَّ قَلِيلاً].
    فإذا حلّ بالأمّة فتنٌ وقلاقل واضطرابات منهجية فأول ما تفعله
    بعد لجوئها إلى الله تعالى أن تسأل أهل الذكر عن الحلول الشرعية لمعالجة الأزمة،
    وعن طبيعتها وخطورتها، ونواتجها على أمن الأمة واقتصادها واستقرارها، وهل لها
    مثيلات في التاريخ الإسلامي، وكيف تمّ علاجها؟، وهكذا...
    إنّ النماء والبركة
    والخير في العودة إلى أهل العلم صدقا بعد الله تعالى، وسؤالهم عن المعضلات التي
    أحلت بالأمة، فقد قال النبي من حديث عبد الله بن عباس: (البركة مع أكابركم)
    قال
    عبد الرؤوف المناوي في شرحه للحديث في فيض القدير (3/220): (المُجرِّبين للأمور،
    المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم، أو المراد
    من له منصب العلم وإن صغر سنه فيجب إجلالهم حفظا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه
    وتعالى..) اهـ.
    وقال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي اللبيب الناصح: (مثل
    العلماء كمثل النجوم التي يهتدى بها، والأعلام التي يقتدى بها، فإذا تغيبت تحيروا،
    وإذا تركوها ضلوا) أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/256) وابن أبي شيبة (7/193 برقم
    35168)، وحنبل في جزئه (برقم39)، والبيهقي في المدخل (برقم395) من طريق عبد الواهب
    الثقفي، وحماد بن زيد، عن أيوب بن أبي تميمة [كيسان] عن أبي قلابة.
    وقد جاء في
    المصنف والحلية: عن أيوب عن كتاب أبي قلابة، والصواب ما أثبته.
    وقال ابن قيم
    الجوزية رحمه الله في مفتاح دار السعادة (1/451 ط: دار ابن عفان): (وكان بنو
    إسرائيل كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، فكانت تسوسهم الأنبياء، والعلماء لهذه الأمة
    كالأنبياء في بني إسرائيل).
    إنّ الحكم الصحيح على القضايا والنوازل والأفراد لا
    يتأتى إلا بمعرفة العلل والحال على ما هو عليه، وهذا الأمر قد تحمل عبأه العلماء،
    فهم مع درايتهم بالفقه في كليات الأحكام، فهم كذلك لهم قدم السبق في معرفة أحكام
    الحوادث الكلية، والوقائع وأحوال النّاس.
    قال العلاّمة السعدي رحمه الله في
    تفسيره (ص198): (فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية
    المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الأحكام الشرعية الكلية، فالجاهل بواحدة من هذه
    الأمور لا يحل له الإقدام على الحكم بين الناس).
    إن الذي يحقُّ له تحقيق المناط،
    وإسقاط الأحكام على النوازل هم العلماء، ولهذا كان أهل العلم يشيدون بالعالم العارف
    لواقعه، فقد مدح القاضي عياض خلفَ المعلم ورفع من شأنه وقال عنه: (كان عالما بنوازل
    الأحكام)، كما في ترتيب المدارك (2/489).
    وقال الحافظ ابن حجر كما في المجمع
    المؤسس(3/74) ممتدحا شيخه شهاب الدين أبا هاشم الظاهر المعروف بابن برهان: (وكان
    كثير الإنذار لكثير مما وقع من الفتن والشرور، لما جبل عليه من الإطلاع على أحوال
    الناس).
    إنّ علماءَ أهل الحديث والأثر وإن لم يكونوا دكاترة، ولا محللين
    سياسيين! فهم خُلاصة الأمة ولُبّها، وغرس الله في هذا الدين، وهم المؤهلون للمراتب
    العالية، والجديرون بدلالة الخلق على طريق النجاة؛ إذا قدمتهم الأمة، وعرفت
    منزلتهم، وأكرمتهم، وذبّت عن أعراضهم.
    قال الحافظ النووي رحمه الله وغفر له، كما
    في طبقات فقهاء الشافعية تهذيب الحزي (1/74-75): (فإن معرفة الإنسان بأحوال العلماء
    رفعة وزين، وإن جهلَ طلبة العلم وأهله بهم لوصمةٌ وشين، ولقد علمت الأيقاظُ أن
    العلمَ بذلك جمُّ المصالح والمراشد، وأن الجهلَ به أحدى جوالب المناقص والمفاسد، من
    حيث كونُهم حفظة الدين الذي هو أسّ السعادة الباقية، ونقلة العلم الذي هو المرقاة
    إلى المراتب العالية، فكمال أحدهم يُكسب مؤداه من العلم كمالا، واختلالها يورث خللا
    وخبالا، وفي معرفته لهم معرفة من هو أحقّ بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء، والجاهل بهم
    من مقتبسة العلم مُسو لإمحاله عند اختلافهم بين الغث والسمين، غير مميز بين الرثّ
    والوزين، وقد رُوينا عن مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح رضي الله عنه أنّه قال: أن أول
    ما يجب على مبتغي العلم وطالبه أن يعرفه؛ مراتب العلماء في العلم، ورجحان بعضهم على
    بعض.
    ولأن المعرفة بالخواص آصرة ونسب، وهي يوم القيامة وصلة إلى شفاعتهم وسبب،
    ولأن العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلا به فهو
    كالجاهل بوالده بل أضل، ولعمري إنّ من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلا،
    فلا يهتدي إلى بعد ما بينهما من الزمان والمنزلة لمنسوب من القصور إلى ما يسوؤه،
    ومن النقص إلى ما يهيضه)اهـ.
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمة رفع
    الملام عن أئمة الأعلام: (فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله صلى الله عليه
    وسلم موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء،
    الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع
    المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وإذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم
    فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإنّ علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول صلى الله
    عليه وسلم في أمته، والمحيون لما مات من سننه، بهم قال الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق
    الكتاب وبه نطقوا).
    وقال كذلك رحمه الله عن علماء أهل الحديث في نقض المنطق (ص
    8): (فهم أكمل الناس عقولاً وأعدلهم قياساً،أصوبهم رأياً، وأسدهم كلاماً، وأصحهم
    نظراً، وأهداهم استدلالاً، وأقومهم جدلاً، وأتـمّهم فراسةً، وأصدقهم إلهاماً،
    وأحدّهم بصراً...)
    وقال الماوردي رحمه الله (م:450) في درر السلوك
    (ص:119-120-121-122): (فأما العلم فينبغي للمَلِك أن يعرف فضله، ويستبطن أهله،
    ليكون بالعلم موسوما، وإليه منسوبا، فإنّ الإنسان موسوم بسيما مَن قاربه، ومنسوب
    إلى أفاعيل من صاحبه)، [ثم ذكر رحمه الله مساوئ إهمال العلماء وترك مراعاتهم ومن
    تلك المساوئ قال]: (ثم لا يبعد أن يظهر أهل نحلة مبتدعة، ومذاهب مخترعة، يزوقون
    كلاما مُمَوّها، ويزخرفون مذهبا مشبوها، يخلبون به قلوب الأغمار، ويعتضدون على
    نصرته بالسفلة الأشرار، فيصب النّاس إليهم، وينعطفون عليهم، بخلابة كلامهم، وحسن
    ألطافهم، مع أنّ لكل جديد لذة، ولكل مستحدث صبوة، وقال النبي: "إنّ أخوف ما أخاف
    على أمتي منافق عليم اللسان"، فتصير حينئذ البدع فاشية، ومذاهب أهل الحق واهية، ثم
    يفضي بهم الأمر إلى التحزب والعصبة، فإذا رأوا كثرة جمعهم، وقوة شوكتهم، داخلهم عزّ
    القوة، ونخوة الكثرة، فتضافر جهال نسّاكهم، وفسقة علمائهم بالميل على مخالفيهم،
    فإذا استتب لهم ذلك، زاحموا السلطان في رئاسته، وقبحوا عند العامة جميل سيرته،
    فربما انفتق ما لا يرتق؛ فإن كبار الأمور تبدو صغارا، [ثم قال]: وهذا الأمر يجب على
    المَلِك مراعاته، لما فيه من حراسة الدين وحفظ المملكة، وحسم ذلك: أن يراعي العلم
    وأهله، ويصرف إليهم حظا من عنايته، ويعتمد أهل الكفاءة منهم بالتقريب والصيانة،
    وأهل الحاجة منهم بالرفد والإعانة، ففي ذلك بهاء المُلك، وإعزاز الدين، وقد قيل:
    إنّ من إجلال الشريعة إجلال أهل الشريعة).

    فاعرفوا يا شباب الأمة منزلة علماء أهل الحديث في هذا العصر،
    واحترموا تلامذتهم السائرين على منهجهم وطريقتهم، المتنكبين طريقة أهل الغلو
    والتمييع، وأخص بالذكر سماحة الوالد المربي العلامة المحدث ربيع بن هادي المدخلي
    حفظه الله ورعاه، وإياكم من الطعن فيه على أوجه الشبكات تحت اسماء مستعارة، فإني
    أراه والله في هذا العهد كالعافية للبدن، وكالشمس للدنيا، يذكرنا علمه الرفيع،
    وأدبه، ومواقفه النبيلة والردوده العلمية، وجهاده في الذبّ عن السنة؛ بالعلامة عبد
    العزيز بن باز، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، والعلامة محمد ناصر الدين
    الألباني، والعلامة محمد آمان الجامي، والعلامة عبد الرحمن بن يحي المعلمي العتمي
    اليماني، والعلامة تقي الدين الهلالي، والعلامة حامد الفقي، والعلامة أحمد شاكر،
    وغيرهم من علماء الحديث رحم الله موتاهم وحفظ أحياءهم.


    وصلى الله على
    نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    وكتبه: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد
    العربي الجزائري


    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    زائر
    زائر

    رد: علماء أهل الحديث زينة الحياة الدنيا وغرس الله في الدين فحافظوا على منزلتهم، وعودوا إلى فهمهم عند الخلاف

    مُساهمة من طرف زائر في الإثنين فبراير 02, 2009 11:07 pm

    أحسن الله إليك وهم نجوم سماء الأمة فبهم يحفظ دينها ودنياها وآخرتها وهم حفاظ الكتاب والسنة وحفاظ النقل المبين لبيانهما من كلام سلف الأمة. فكيف حالها بدونهم. ولا نستطيع أن نصفهم بما يستحقون وليس منهجنا الغلو لكن فضلهم يستحق العرفان.[b]

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 8:01 am