منتدى قائم على منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية


    تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    شاطر

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:24 pm

    شرح
    معاني سورة الفاتحة

    [(02) شريطان مفرغان]


    علينا لِزاما أنْ نتدبّر هذه السورة العظيمة الجليلة، التي افتتح الله بها كتابه، إذن أيها الإخوان فكلامنا مهما كُرِّر، ومهما كان معروفا في هذه المسائل، فإنما هو لتثبيتها، إذْ هي القضية الأولى، القضية العظمى، والمسألة المهمة، بل هي المسألة الرأس التي بُعث الأنبياء بها؛ توحيد الله بالعبادة، أن لا يعبد إلا الله.


    أَعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


    ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (1) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)








    بسم الله الرحمن الرحيم


    ...ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةٌ أنس بها القلب فحالفها وألفها وصدّ عن من كرهها وخالفها، وأشهد.... ([1]) الذي لم يدع فسادا إلا أصلحه، ولا مُغلَقا من الأمور إلا فتحه، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وعلى صحبه وسلّم تسليما كثيرا.

    اللهم إنا نعوذ بك من فتنة المقال، كما نعوذ بك من فتنة الفِعال، ونعوذ بك اللهم من العِيِّ والحَصَر، كما نعوذ بك اللهم من السّلاطة والهذر، فإن في كل منهما أدواء يعزّ لها الطبيب، وتعصي على الرفيق أعني المداوي.

    ليتنا حين نقدم لبعض المحاضرات كهذه، ليتنا نُخلي تقديمنا من الثناء في وجه المحاضر أو المتكلم، فإن السلف الصالح رضوان الله عليهم لم يكن هذا من هديهم، إنّ المحبة في القلوب، وإنها وإنْ كانت المحبة التي في القلوب تأبى إلا وأنْ تظهر، لكن الأفضل ألاّ تظهر في وجه من هو لها، لذا قال السلف: اتقوا المدح فإنه الذبح.

    اللهم إنا نعوذ بك؛ نعوذ بك أن يؤثر فينا المقال، وإن كان حقا، كما نعوذ بك من أن تلين أنفسُنا إلى المدح، وإن كان صدقا.

    حديثُنا الليلة أيها الإخوان الأكارم عن آيات من كتاب الله، نحاول أنْ نلتمس فيها ومنها بعض المعاني، التي تنير القلوب، وتحيي النفوس، وتَلْقَحُ الأفهام، وتنير الأفكار.

    كتاب الله -أيها الأخوان- هو الكتاب الذي أنزله الله علينا لنتدبره، أنزله الله علينا لنتفهّم آياته، أنزله الله علينا ليكون لنا عبرة بما فيه، أنزله الله علينا لنأخذ منه كلَّ علومنا صغيرها وكبيرها.

    يقول الله جل وعلا ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الْأَوَّلِينَ[المؤمنون:68]، وقال جل وعلا في آية سورة محمد ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[محمد:24]، وقال جل وعلا في آية النساء ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[النساء:82]، إذن فحقّ علينا أنْ لا نقرأ القرآن قراءة الأمانيّ؛ قراءة الذين لا يعرفون ما تحت كلماته من المعاني العظيمة؛ المعاني التي لو كانت أُلقيت على الجبال لخرت الجبال هدًّا و لتصدعت الصخور منها، القُرَّاء؛ قُرّاء القرآن قد يكونون كثرة، ولكن من منا يتدبر، من منا يؤثر فيه هذا القرآن كما أثر في ذلك الجيل الكريم؛ جيل الصحابة رضوان الله عليهم، فأثمر فيهم قلوبا؛ قلوبا جاهدت في سبيل الله، نصرت دين الله لم تأخذها في ذلك محبة الأرض ولا محبة النساء ولا محبة الأهل ولا محبة المساكن ولا غير ذلك من المحابّ، تركوا ذلك، تركوا ذلك وتجردوا لنشر هذا الدين، لنشر ما جاء به القرآن.

    وإنّ أول سور القرآن هي سورة الفاتحة؛ أمّ القرآن؛ والسبع المثاني التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة أول ما نَزلت، وشُرعت بها قراءة في الصلاة، لا تصح الصلاة إلا أن تُقرأ الفاتحة في كل ركعة من ركعاتها، ثبت في صحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله أنّ رسول صلى الله عليه وسلم قال «كلّ صَلاَة لا يَقْرَأْ فِيهَا بفَاتِحَة الكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ، خِدَاجٌ، خِدَاجٌ »، فقراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، الفاتحة التي نكرّرها في كل يوم وليلة أكثر من سبعَ عشرة مرة، هل تدبرنا ما فيها من المعاني؟ أم قرأناها قراءة من يبدؤها يريد إنهاءها ؟ إنه لمن العجب، لمن العجب أنْ نقرأ سورة سبعَ عشرة مرة، ثم لو سألنا سائل: ما المعاني المندرجة في هذه السورة؟ وما التي تفيده هذه السورة، ما الذي يفيده قوله تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؟ ما الذي يفيده قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)؟ ما الذي يفيده قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؟ إلى غير ذلك من آيات السورة.

    إذن أيها الإخوان كان علينا لزاما أنْ نتدبّر هذه السورة العظيمة الجليلة، التي افتتح الله بها كتابه، ونرجو أنْ ينفعنا الله جل وعلا في هذه الليلة ببعض ما ورَّثه لنا علماؤنا الأوائل وسلفنا من المعاني التي اشتملت عليها هذه السورة العظيمة.

    إذا أراد القارئ أن يقرأ القرآن شُرِع له أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كما قال جل وعلا في سورة النحل ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ[النحل:98].

    وهذه الكلمة (أَعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) معناها ألتجئ وأعتصم وألتصق بجناب الله جل وعلا وبالله جل وعلا من شرّ الشيطان. (الرَّجِيمِ) يعني المرجوم؛ المطرود من رحمة الله، ألتجئ بالله وأعتصم من شر الشيطان أنْ يضرني في أمر من أمور ديني، أو أن يضرني في أمور من أمور دنياي.

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:25 pm

    فإنّ الشيطان نصب نفسه لعداوتكم، فانصبوا أنفسكم لعداوته، الشيطان طلب من ربكم جل وعلا حين عصى -عصى ربه في السجود لآدم- طلب من ربكم أن يؤخره إلى يوم يبعثون، فأجابه ربكم حكمة وابتلاء، الشيطان لم تهدأ عداوته لبني آدم، لم تهدأ ولن تهدأ حتى يُدخل من يدخل منهم النار، ولن ينجو من الناس إلا صنف واحد ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83]، إذن لن ينجوا من حبائل الشيطان إلا أهل الإخلاص، وأهل الإخلاص هم الذين استعاذوا بالله؛ بالله وحده من شر الشيطان، استعاذوا بالله وحده من الشرور التي قد يحدثها الشيطان، وقد يحدثها أولياء الشيطان.

    فإن الاستعاذة بمعناها الذي قدمناه، إنّ الاستعاذة بمعناها الذي قدمناه نوع من العبادة، لا تصح إلا لله جل وعلا، نوع من العبادة لا يجوز أنْ تصرف لغير الله؛ بمعنى أنه لا يجوز لمسلم؛ يحرم على المسلم أن يستعيذ بغير الله جل وعلا من أي شر وقع أو متوقع، وهذا المحرم رتبته الشّرك، فإنّ المحرمات درجات أعلاها الشّرك بالله ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا[الأنعام:151]، يقول جل وعلا في سورة الجن ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا[الجن:6]، أي إثما لأنهم فعلوا الشرك، وذلك أيها الإخوان أنّ الاستعاذة؛ وهي طلب اللجوء والاعتصام بالله جل وعلا، هي عمل القلب لابد وأنْ يكون المستعيذ، لا بد أن يكون في قلبه من تعظيم المستعاذ به ومن تقديره ومن محبته والخضوع له، لابد وأن يكون في قلبه من هذا شيء كثير، وكل هذه لا تصلح إلا لله جل وعلا، فالاستعاذة إذن حقٌّ لله جل وعلا، لا يجوز بأي حال أن تصرف لغير الله جل وعلا، لا يستعاذ من إنس أيا كانت درجته، ولا يستعاذ بملك، ولا يستعاذ بجنيّ.

    قد يقول بعض الإخوان: وهل يوجد هذا اليوم ؟ نقول قد يوجد، ولكن التحذير منه هو سنة الأنبياء، التحذير منه هو الذي ورّثه لنا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، بل كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يخافون أكثر ما يخافون من الوقوع في الشرك، وهم الأنبياء الذين عصمهم الله جل وعلا من الوقوع في حبائل الشياطين بالشرك، قال إبراهيم الخليل داعيا ربه له ولبنيه قال﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ[إبراهيم:35]، إبراهيم الخليل؛ خليل الله يسأل ربَّه أن يجنبه هو وبنيه أن يعبدوا الأصنام، هل كان خائفا؟ نعم، كان خائفا وَجِلاً، وهذه هي مرتبة المخلصين، أما مرتبة المغرورين فإنهم إذا ذُكروا بالتوحيد وذُكروا بترك الشرك، قالوا وهل نحن واقعون فيه حتى تنهانا؟ وهل نحن فيه خائضون حتى تنهانا؟ هذه هي مرتبتهم، فانظر البون الشاسع والفرق بين حال الأنبياء الذين يسألون ربهم أنْ يجنبهم هم وبنيهم من عبادة الأصنام، وبين حال القوم الذين ترى، يستكبرون عليهم أن يتكلم في التوحيد؛ توحيد الله، وذلك لأنه لم يجدوا اللذة التي وجدها أولئك الذين وحّدوا الله حق توحيده، فإن التوحيد أيها الإخوان له لذة تخالط القلوب، تخالط القلوب يعرفها من يعرفها، قال إبراهيم التَّيْمي أحد السلف الصالح عند هذه الآية: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم. (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) قال إبراهيم: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم.

    إذن أيها الإخوان فكلامنا مهما كُرِّر، ومهما كان معروفا في هذه المسائل، فإنما هو لتثبيتها، إذْ هي القضية الأولى، القضية العظمى، والمسألة المهمة، بل هي المسألة الرأس التي بُعث الأنبياء بها؛ توحيد الله بالعبادة، أن لا يعبد إلا الله.

    تأمل سورة الأعراف وسورة هود وغيرها من السور، تجد ذلك جليا، ففي سورة الأعراف حكى الله جل وعلا عن نبيه نوح أنه قال لقومه ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:59]، (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) هذه أول كلمة قالها نوح لقومه، ثم بعد هود قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:65]، ثم بعد ذلك صالح ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ[الأعراف:73]الآيات، ثم بعد ذلك شعيب ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:58]، إذن هذه المسألة؛ مسألة التوحيد مسألة فهم معنى (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) جديرة بل واجب أنْ نعتني بها أيما اعتناء، نعتني بها فوق اعتنائنا بأي شيء، إذْ هي الغرض وهي الغاية من وجودك، وهي تحقيقها، وجب تحقيقها سوف يأتي إن شاء الله جل وعلا معنى هذه الكلمة العظيمة عند قوله سبحانه وتعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ).

    والشياطين نوعان: شياطين الإنس وشياطين الجن.

    شياطين الجنقد لا يُروا كما قال جل وعلا ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ[الأعراف:27] شياطين الجن مكرهم قد يخفى على كثير من الناس أعني المسلمين.

    والصنف الآخر من الشياطين الذين يدخلون في عموم الآية في عموم الاستعاذة (أَعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) يدخلون في حكم الشيطان بالتّبع؛ لأن الشيطان هنا ما دام أنه عرف ووصف بالرجيم أنه إبليس، لكن يدخل فيه أولياؤه.

    إذن وأنت تستعيذ الله من شر الشيطان الرجيم استحضر في قلبك استعاذتك من شر أوليائه، من شر أوليائه من الإنس ومن الجن قال جل وعلا في سورة الأنعام ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ، ما أوصافهم؟ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا[الأنعام:112]، هذه صفاتهم، وتأمل هذه الصفات تدبرها، وانظر الواقع تعلم وتعرف من هي الشياطين التي تصدك عن دينك.

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:25 pm

    (أَعُوذُ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

    البسملة آية من كتاب الله، وقولك (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) معناه أبتدئ، إن كنت تقرأ؛ تتلو القرآن، فمعناها أبتدئ تلاوتي متبركا باسم الله، متبركا بكل اسم لله جل وعلا؛ لأن قولَك (بِسْمِ اللَّهِ) هذه نكرة، (بِسْمِ) نكرة، فدخلت فيها جميع أسماء الله جل وعلا، ابتدئ تلاوتي متبركا بكل اسم لله جل وعلا، ابتدئ تلاوتي مستعينا بالله جل وعلا، متبرئا من الحول والقوة، فإنه لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يتبرأ من الحول والقوة، بعض الناس يفخرون بما عندهم، وهذا دليل القصور إما قصور العقل أو ضعف الإيمان، يعتقدون أنهم هُدُوا بحولهم وقوتهم، يعتقدون ما عندهم من زخرف وأموال بحولهم وقوتهم، يعتقدون أن ما عندهم ما لهم من الصحة الآتية بحولهم وقوتهم، والمؤمن يتبرأ من الحول والقوة فإنه لا يستقيم الإيمان، إيمان العبد حتى يتبرأ من الحول والقوة، ولذا جاء في الأثر الذي أخرجه الترمذي في جامعه «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله غُرست نخلة في الجنة» وإسناده لا بأس به، (من قال لا حول ولا قوة إلى بالله غرست له نخلة في الجنة) قيل للحسن: إذن نُكثر. قال: فالله أكثر.

    حَذف المتعلق الذي تعلق به الجارّ والمجرور؛ أعني (بِسْمِ اللَّهِ) حذفه أيضا دلّ على العموم، والحذف شائع معروف في كلام العرب، إذا حُذف الفعل الذي تعلق به الجار والمجرور قد بالمناسب، وهنا حذف ليدل على عموم الأفعال وعلى عموم المتعلَّقات، فإنك تطلب البركة وتطلب العون بقولك (بِسْمِ اللَّهِ) وتطلب أشياء كثيرة.

    نزل أضياف من الجن على أحد العرب وهو كان في البرية، فخاف منهم، فلما قدَّم الطعام، سألهم قال: مِنُونَ أنتم؟ قالوا: الجن. قلت: علم ظلامَ. فقلت: إلى الطعام. فقال منهم فريق نحسد الإنس الطعام، فقد فضلتم الأكل فينا، ولكن ذاك يعقبكم سقما. ([2])

    الشاهد من هذا أنه قال: إلى الطعام؛ يعني هيا إلى الطعام؛ قوموا إلى الطعام.

    فالمحذوف في قولك (بِسْمِ اللَّهِ) تقدره أنت بما يناسب حالك، فإذن من يقول (بِسْمِ اللَّهِ) متدبرا لحاله، ومتدبرا للبركة الحاصلة من هذه الكلمة لابد أن يكون قلبه حاضرا بالكلام، لا يقول (بِسْمِ اللَّهِ) وقلبه بين الأودية أودية الدنيا يسيح، لا.

    البركة التي قلنا إنها متعلقة هنا وأنك تقول أبدأ تلاوتي مثلا، أو شربي، أو طعامي، أو لباسي، أو قراءتي، أو نحو ذلك، متبركا لكل اسم هو لله جل وعلا، ما معنى البركة هنا؟ البركة هي طلب النماء والزيادة؛ يعني أنك حين سألت الله جل وعلا وطلبت منه البركة؛ طلبت منه جل وعلا وحده أن يعطيك وحده نماء وزيادة في أجر عملك هذا الذي عملته، وربنا جل وعلا من لطفه بنا ورحمته بنا، أمرنا بأن نفتتح ونقول (بِسْمِ اللَّهِ)، ثم مع ذلك، الدعوة خير لنا، فانظر هذه الرحمة العظيمة بعباد الله، يأمرنا سبحانه أن نسمى، وفي هذه التسمية مصلحة لنا، أي مصلحة، وهي طلب النماء والزيادة في عملنا؛ طلب الزيادة من الخير ومن الثواب في صلاتك، في تلاوتك، طلب المنفعة في شرابك، طلب المنفعة ودفع المضرة في طعامك، ونحو ذلك.

    والبركة لله جل وعلا، البركة من الله يعطيها عباده، ليست البركة للعباد يعطونها من شاءوا، لا، البركة لله جل وعلا يعطيها من شاء من عباده، ولذلك قال جل وعلا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ[الفرقان:1] (تَبَارَكَ) هذه الصيغة تَفَاعَل تُفيد أعلى وأعظم، تفيد أعلى وأعظم أنواع البركة وأعمها متعلقا وأثرا، البركة لله هو الذي سبحانه يعطيها من شاء من خلقه؛ فأعطاها الأنبياء، قال جل وعلا﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ يعني بركات الله ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ[هود:73] في سورة هود، وقال جل وعلا في سورة الصافات ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ[الصافات:113] (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) من المبارِك؟ هو الله، أليس كذلك؟ ومن المبارَك عليه وعلى إسحاق؟ يعني على إبراهيم وإسحاق، أو على إسماعيل وإسحاق، وقال جل وعلا في سورة فصلت ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا[فصلت:10].

    المقصود من هذا أنّ البركة لله جل وعلا يعطيها من شاء من خلقه، وقد دلت الآيات ودلت السنة النبوية على أن البركة نوعان: بركة في الذوات، وبركة في الأعمال.

    أما بركة الذوات: فهي للأنبياء والرسل لا يَشركهم فيها غيرهم، ولا يدخل فيها غيرهم، فلا تُطلب البركة؛ بركة الذات؛ يعني أن يُتَمَسَّح ببعض الناس، أو تُقَبَّل أيديهم دائما، أو يُغتسل بوضوئهم، ونحو ذلك، هذا ليس إلا للأنبياء؛ لأن الله جل وعلا أخبر في كتابه أنه أعطى البركة للأنبياء، ولم يخبر جل وعلا ولم تدل السنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أن البركة أُعطيت -أعني بركة الذوات- لغير الأنبياء.

    صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يطلبوا البركة بهذا المعنى أعني بشرب بقية الماء مثلا، أو بالوَضوء أعني بالتوضؤ بالوَضوء؛ وهو الماء، أو التمسح، أو تقبيل اليد، فإن هذا كله منكر، وهذا ممنوع في الشريعة ومحرم لأمور كثيرة.

    النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنّ الصحابة كانوا يتبركون بذاته، يتبركون بذاته أو بأجزاء ذاته، يُقَبِّلون يده، يقبلون بطنه؛ يعني طلبا للفضل والبركة، يشربون بقية الماء، يَتَبَرَّكون بشعره، ونحو ذلك، وهذا حق لا شك فيه؛ لأنهم الأنبياء الذين أخبر الله بإعطائهم البركة.

    أما غيرهم فليس لهم بركة؛ بركة ذوات، فغير الأنبياء لا يتمسح بهم مطلقا، ولا يعظمون مطلقا، ولا يتبرك بهم مطلقا، لأنه ليس لهم بركة؛ بركة ذات، ولذا فإن الصحابة لم يكونوا يعملون مع أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا يفعلونه معه،لم يكونوا يفعلون مع أبي بكر الصديق ما كانوا يفعلونه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الشاطبي أحد العلماء الأجلاء الأندلسيين وهو من أهل القرن الثامن توفي من قبل سنة خمس وتسعين وسبعمائة (795)، يقول حين تعرض لهذه المسائل قال : إلا أنه قاطعنا، إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، وذلك أنّ الصحابة لم يكونوا يفعلون بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يفعلونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يشربون سؤر بعض الصحابة مهما كان جليلا، ولم يكونوا يتبركون بشعرهم أو بوَضوئهم، أو بنحو ذلك من الأعمال التي كانوا يعملونها مع رسول الله، -يقول- فهذا خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي ابن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، لم يكن يُفعل بهم شيء مما كان يُفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذن فالمسألة مسألة إجماع؛ أنه لا يتبرك بغير رسول الله بركة ذات، ولكن أحدث قومٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثوه في هذه المسائل وأشباهها، والعبرة كل العبرة بما كان عليه الأمر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين قال فيهم ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم أعمق هذه الأمة علما، وأقلها تكلفا، وأقربها إلى الصراط المستقيم. هكذا قال من هو بهم خبير رضي الله عنهم أجمعين.

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:26 pm

    والنوع الثاني من أنواع البركة هو بركة العمل: ذلك أنّ الله جل وعلا أخبرنا في كتابه أن ذكره مبارك، قال جل وعلا ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ[الأنبياء:50]، وأخبر أن كتابه كتاب مبارك، والسنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصِّل الإجمال الذي في القرآن ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[النحل:44]، (الذِّكْرَ) هو السنة، فإذن السنة مباركة، والقرآن مبارك، فكانت العلوم الناشئة منهما والتدبر فيهما والتحقيق في معانيهما، كانت تلك العلوم علوم مباركة.

    إذن البركة الحاصلة لأهل العلم إنما هي بركة عمل؛ بركة عمل لأنهم تفقهوا في دين الله، وتفقهوا في آيات الله، وتفقهوا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت البركة التي عندهم هي بركة عمل، تُطلب منهم هذه البركة قولا لا ذاتا، تسألهم عن حكم الله في المسألة فيجيبوك، إذن فهم مباركون بركة عمل، وليست ذواتهم مباركة، أبدا، فكيف يكون ذلك، وخيرة الخلق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا كذلك.

    هذه بعض المسائل المتعلقة بالمحذوف المقدّر في قولنا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

    يقول جل وعلا في أول آية من الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(3)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تأمل ذَكَرَ الله جل وعلا في الآية الأولى أنّ الحمد لله رب العالمين فقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وهذا يُورِث في النفس؛ يورث المحبة لمن يُحمد سبحانه وللذي ربى العالمين بنعمه، أليس كذلك؟ تورث المحبة الآية الأولى؛ المحبة لله جل وعلا الذي هو رب العالمين سبحانه.

    والآية الثانية (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تورث في القلب الرجاء بأن يكون التَّالي؛ بأن تكون أنت وأنت تتلو هذه الآية في الصلاة أو في غير الصلاة أنْ تكون ممن شملتهم رحمة الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، الآية الثانية تورث في القلب؛ القلب المتدبر المتأمل المتفحص لمعاني الله، تورث في القلب الرجاء بأنْ تكون ممن شملتهم الرحمة في الدنيا والآخرة.

    والآية الثالثة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وفي القراءة السبعية الأخرى المتواترة (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (مَلِكِ) و(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) سبحانه وتعالى، (يَوْمِ الدِّينِ) يوم الجزاء، يوم الحساب يَوْمَ ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ[الحاقة:18]، يوم يظهر ما استتر به المستترون من المعاصي، يظهر عند ذاك عيانا، يوم تنطق الألسن، يوم تنطق الجلود، وتنطق الأرجل، وتنطق الأيدي بما كان يفعله أصحابها، ذلك اليوم الذي قال الله فيه (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يورث في القلب ماذا؟ يورث في القلب الخوف من الله جل وعلا.

    ثم قال بعد ذلك (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، تأمل كيف بدأ بالآية تورث في القلب المحبة، ثم ثنى بالآية التي تورث في القلب الرجاء، ثم ثلّث بالآية التي تورث في القلب الخوف، ثم قال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وليُقِرَّ في قلبك أيها العبد أنه واجب عليك أن تعبد الله محبة لله، ورجاء في الله، وخوفا من الله، تعبده لهذه الثلاث مجتمعة؛ بالحب والرجاء والخوف، لا تغلب جانبا عن جانب، فإنّ من الناس من تلاعبت بهم الشياطين فعبدوا الله بالحب وحده حتى تركوا الطاعة، ومن الناس من غلّبوا على قلوبهم الرجاء فخاضوا في معاصي الله وفي الآثام، ثم بعد ذلك يقولون ربُّنا أرحم الراحمين.... ([3])

    ... هو العذاب الأليم ﴿حم(1)تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(2)غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ[غافر:1-3]، تأمل إذن هذه الآيات وكيف رُتِّبت هكذا، كتاب الله، كتاب حكيم، حكيم بمعنى محكم، حكيم بمعنى حاكم، حكيم بمعنى محكوم فيه، فهو حكيم بمعنى محكم، كما قال جل وعلا في أول سورة هود ﴿ الر كِتَابٌ [أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ]([4]) مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:1-2] فهو كتاب أحكمت آياته، إذن أن تكون الآية الأولى، ثم الآية الثانية، ثم الآية الثالثة تفيد هذه الفائدة، اعلم أن هذا من فضل الله عليك أن عرفك أهل العلم هذه المعارف، فلا تكن منك بعيدة، ولتكن منك على ذُكر دائما.

    ثم تأمل أيضا، تدبر أن الله جل وعلا افتتح كتابه العزيز بقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ثم ذكر بعد ذلك صفة أنه جل وعلا (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، فذكر ثلاث صفات تدور عليها الأسماء الحسنى، ثلاثة أسماء، ذكر سبحانه ثلاثة أسماء:

    الأول: الله.

    الثاني: أنه الرب.

    الثالث: أنه مالك يوم الدين، سبحانه وتعالى.

    افتتح الله كتابه بهذه الثلاثة أسماء، واختتم كتابه جل وعلا بهذه الثلاثة أسماء عينها، قال جل وعلا في آخر سورة ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ[الناس:1-3]، الربوبية والملك والألوهية في آخر سورة وفي أول سورة من القرآن، هذه الثلاثة أسماء تدور عليها وتتفرّع منها معاني كثيرة من الصفات والأسماء الحسنى، فإذن لتكن منا على بال، ولعله يأتي بعد ما فيها من المعاني.

    كونه جل وعلا الله، هو الله أي المألوه المعبود كما سيأتي.

    والرب الذي ربى عباده بنعمه جل وعلا، خالقهم، وسيدهم، والمتصرف في شؤونهم، وأنه مالك يوم الدين، كل ملك فهو له، وأنت إنْ ملكت شيئا في الدنيا فإنك لا تملكه حقيقة؛ إنما تملكه بالإضافة إلى بني جنسك، وإلا فالملك حقيقة لمن؟ لله جل وعلا، ستذهب وتتركه يملكه غيرك، فإذن ليس ملكا حقيقيا إنما هو ملك إضافي.

    (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، (الْحَمْدُ) يقول أهل العلم إنّ الألف واللام تفيد الاستغراق في أول الحمد، معناه أن قولك (الْحَمْدُ لِلَّهِ) قد شمل كل حمد يستحقه الله جل وعلا، كل أنواع المحامد ثابتة لله جل وعلا، تُقِرُّ وأنت تصلي وأنت تتلو هذه الآية تقر بأن جميع أنواع المحامد لله جل وعلا، المحامد لله جل وعلا وحده، وهو المستحق للحمد وحده جل وعلا، فالله جل وعلا يُحمد؛ يُحمد سبحانه بأسمائه، ويحمد سبحانه بصفاته، ويحمد سبحانه بأفعاله؛ الأفعال التي تدور بين الإنعام والإحسان وبين العدل والحكمة، ويحمد سبحانه على خلقه وأمره، ويحمد سبحانه على قدره وشرعه، كل هذه من أنواع المحامد التي يحمد الله جل وعلا عليها، يقول جل وعلا في أول سورة الأنعام ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ[الأنعام:1] فحمد الله، فحمد سبحانه وتعالى، أخبر أن الحمد لله لأنه الذي خلق السموات والأرض، فهذا حمد بصفاته سبحانه وتعالى، ولكن قد يقول القائل ما معنى الحمد؟ الحمد معناه الثناء، الحمد معناه الثناء على الله باللسان، معناه الثناء على الله باللسان مع المحبة والتعظيم، فإنّ الحمد لا يسمى حمدا حتى يكون ثناء حتى يكون ثناء فيه المحبة والتعظيم، وإلا فإن الثناء أخص من الحمد، ولذا عطف عليه في حديث صحيح مسلم الحديث المعروف «قَسَمْتُ الصّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ.. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ) قَالَ الله جل وعلا: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: (الرّحْمَنِ الرّحِيمِ). قَالَ الله جل وعلا: أَثْنَىَ عَلَيّ عَبْدِي.» هذا من عطف الخاص على العام، فالحمد يشمل الثناء وزيادة فالثناء على الله مع الحب لله جل وعلا والتعظيم له سبحانه ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال التي محض إحسان أو محض عدل وحكمة وعلى شرعه جل وعلا، كل هذه من أنواع المحامد التي يحمد الله جل وعلا عليها.

    (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وإلا أيها الإخوان فإن المحامد التي يستحقها الله جل وعلا لا تحيط بها الأقلام مهما أوتيت؛ لأن الحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا، وخذ مثلا أنك تحمد الله على صفة الكلام له سبحانه؛ أي تثني على الله جل وعلا بها ثناء مع المحبة والتعظيم له سبحانه جل وعلا، هل تنفذ كلمات الله؟ لا تنفذ، فإن الحمد لا ينفذ، ولذا أخبر جل وعلا بأنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، وأنه سبح له ما في السموات وما في الأرض، فقال جل وعلا في أول سورة التغابن﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[التغابن:1]، قال أهل العلم: قوله (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) هذه جملة استئنافية واقعة موقع التعليل للتسبيح. أي أنه سبحانه يسبح له ما في السموات وما في الأرض لعلة أنه جل وعلا مستحق أن يحمد أكمل حمدٍ، حمدا دائما لا ينقطع وإن انقطعت أجيال البشر؛ بل هو يسبح لله جل وعلا ما في السموات وما فيالأرض، ولذا ورد التسبيح بهذه الصيغة ورد مرة بالماضي ومرة بالمضارع.

    قال جل وعلا في سور ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ([5]).

    وقال في سور ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ([6])

    ليُعلمك أن التسبيح لله المستحق، لأنه سبحانه جل وعلا حقيق بأن يحمد جل وعلا بأن هذا التسبيح كان ولم يزل، كان في الماضي (سَبَّحَ) لأن صيغة الماضي (سَبَّحَ) تفيد كون الفعل حادثا في زمن الماضي، و(يُسَبِّحُ) تفيد كون الفعل حادثا وحاصلا في الزمان الحاضر وفي الزمان المستقبل.

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:26 pm

    فإذن التسبيح لا ينقطع، كل المخلوقات تسبح بحمد الله، فهذا شيء ما يجب أن نستشعره حين قولنا (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، الْحَمْدُ لِلَّهِ ولفظ الجلالة (الله) معناه المعبود، الْحَمْدُلِلَّهِ؛ معناه المعبود سبحانه وتعالى، ذلك أنّ الله يعني هذه اللفظة مشتقة في كلام العرب على الصحيح من قول أهل العلم مشتقة من قولهم أله يأله إلهة؛ بمعنى عبد يعبد عبادة، أله يأله إلهة؛ معناها عبد يعبد عبادة ، سواء بسواء، (الله) معناه إله لكن خففت الهمزة لكثرة الاستعمال كما قال أهل العلم، فإذن لفظ الجلالة مشتق من أله يأله إلهة؛ بمعنى عبد يعبد عبادة -خلوكم معي بأسأل بعد قليل، إِلِّي شارد ذهنه يكون حاضر-، قرأ ابن عباس رضي الله عنه آية الأعراف في قول قوم فرعون له ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ﴾ يعني وعبادتك، آية سورة الأعراف ﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ[الأعراف:127] هكذا قرأها ابن عباس يعني ويذرك وعبادتك، ذلك أن فرعون ماذا قال لقومه؟ قال لقومه –فرعون- ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي[القصص:38] يعني ما علمت لكم أحدا يستحق أن تعبدوه إلا أنا، فلذلك قالوا له (وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ) يعني عبادتك.

    هذا فكون الإله -أيها الإخوان- بمعنى معبود، وكون أله بمعنى عبد، هذا هو معنى لغة العرب التي أنزل الله بها القرآن، فنحن إذا أردنا أن نتبصّر في كتاب الله وفي معاني كتاب الله يجب أن نعلم ماذا قال العرب وكيف استعملت العرب هذا الكلام، فقولنا الإله، معقول أن يكون مسلم يقول لا إله إلا الله ولا يعلم معنى الإله؟ من الناس من يظن أن معنى لا إله إلا الله يعني لا رب إلا الله، وقد بلغ الجهل بالمسلمين مبلغا يأسى له ذووا القلوب الحية، كيف تؤول حالهم إلى هذه الحال.

    سألت مرة أحد الناس في غير بلادنا، قلت له وهو يدعي الثقافة، قلت له ما معنى لا إله إلا الله؟ وهو يريد أن يظهر أنه مثقف ويقرأ ويعلم، قال: معنى لا إله إلا الله! هذا واضح. قلت: أريد أن تخبري بهذا الواضح. قال: يعني ربنا موجود. سبحان الله العظيم، قال: يعني ربنا موجود. قلت: له ما معنى لا إله إلا الله؟ قال: معناه ربنا موجود. قلت: سبحان الله العظيم.

    إذن ما الفائدة أن ترسل الرسل؟ ما الفائدة من أن ترسل الرسل؟ قريش، العرب أخبر الله عنهم بقوله أنهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ([7]) وفي آية الزخرف ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ[الزخرف:9]، وقال جل وعلا في آيات كثيرة كما في سورة المؤمنون ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ[المؤمنون:86-87]، فإذن أولئك الأقوام كانوا يقولون ربنا موجود أم لا يقولون؟ يقولون، واضح من كلام الله، فإذن فهل معنى لا إله إلا الله التي حاجوا بها رسول الله، وقالوا قل ما شئت من الكلام نطعك إلا هذه الكلمة، ولما دعاهم إليها قالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا[ص:5] كانوا يفهمون إذن ما معنى لا إله إلا الله.

    إذن معنى الإله فِعَال بمعنى مفعول يعني معبود، فالإله بمعنى المعبود، فالله معناه المعبود الذي يستحق سبحانه أن نعبده مع الخوف منه والتعظيم له والمحبة له جل وعلا والرجاء بعفوه وكرمه ورحمته.

    هذا هو معنى الإله، ومعنى لا إله إلا الله معناها لا معبود إلا الله، لا معبود حق إلا الله جل وعلا، ويدله لذلك دلالة ظاهرة أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله، فقال جل وعلا في الآية التي سمعتموها قبل قليل في أول سورة هود ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ[هود:1-2]، عندنا هذه الكلمة (لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) وعندنا (لا إله إلا الله) أليستا متساويتين؟ لا تعبدوا إلا الله، لا إله إلا الله، متساويتين، أليس كذلك؟ إلا أنّ (إله) وضع بدلها (تعبد)، فإذن الإله هو معنى العبادة، الإله بمعنى المعبود والإلهة بمعنى العبادة، هذا هو المعنى، نوح قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:59]، وقال عنه جل وعلا في سورة هود (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)، قال لقومه –نوح- (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ).

    فإذن الرسل بُعثوا بهذه الكلمة العظيمة؛ لا إله إلا الله؛ ومعناها لا معبود إلا الله، فإننا أيها الإخوان إنما خلقنا لأجل عبادة الله جل وعلا، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ[الذاريات:56-57]، ما خُلقنا إلا لأجل عبادة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى رأفة بنا ورحمة شرع لنا وأباح لنا أن نتمتع ببعض الطيبات في الدنيا أو بالطيبات جميعا في هذه الدنيا دون إسراف ولا مخيلة منة منه وتكرما، وإلا فإننا خلقنا للعبادة لعبادة اله وحده فقط، ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى(131)وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى[طه:131-132].

    قوله جل وعلا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حين تُقرأ ينبغي أن تُستحضر بعض هذه المعاني، بعضها، وقد تتزاحم في قلب البصير، ولكن كل واحد يأخذ منها بمقدار ما يسعه عقله ولبّه، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قلنا إنّ هذه الكلمة كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أفادت ماذا ؟ توحيدا لله جل وعلا في كونه الإله؛ في كونه المعبود وحده، وهذا الشيء هو الذي سماه أهل العلم منذ القديم سموه توحيد الألوهية، ذلك لأننا وجدنا أنّ الله جل وعلا أخبر سبحانه أنّ القوم الذين بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يوحدون الله بنوع من التوحيد، ويأبون أن يوحدوه في النوع الآخر، وهذا لم يقله أهل العلم من عند أنفسهم، وإنما قالوه حين تدبروا القرآن ورأوا آيات الله، يقول جل وعلا عن أولئك الأقوام الذين بعث لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة الصافات ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ[الصافات:35]، إذن هم يستكبرون عند ماذا؟ عند قول لا إله إلا الله؛ يعني عند إثبات هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الألوهية، هذا واضح؟ أخبر سبحانه وتعالى عنهم أنهم يوحدون الله بنوع آخر وهو ما سماه أهل العلم بتوحيد الربوبية كما أشرنا إليكم الآيات كقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ([8]) وكما قال جل وعلا في سورة يونس في آيات في آية آخرها ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ[يونس:31] إذا كنتم تقرون بأنّ الله هو المحيي وحده، وهو المميت وحده، وهو الخالق وحده، وهو الرازق وحده،كل هذه كان يعتقدها مشركوا العرب -يعني أكثر مشركوا العرب- أنه الخالق وحده، وأنه الرازق وحده، وأنه رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، كل هذه يقرون بها لله وحده، ماذا قال الله لهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(31)فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ(32)كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ[يونس:31-33]، كانوا مقرون بالتوحيد؛ توحيد الربوبية وأبوا أن يقروا بتوحيد الألوهية، حاجهم الله جل وعلا بنوع آخر من الحجج بعد هذه الآية مباشرة، قال جل وعلا في سورة يونس ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ[يونس:34] الجواب أنهم سيقولون: لا. لأنهم يقرون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، ﴿قُلْ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ[يونس:34]، ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ يعني آلهتهم ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ يعني في الأصل لأنهم إما رسل أو رجال صالحين كانوا يُهْدَون إلى الطريق؛ لم يكونوا يملكون الهداية ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[يونس:35]، إذن لماذا قالوا ذلك؟ قال الله بعدها ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا[يونس:36]، ولذلك ينبغي أن نتنبه لمسألة مهمة وهي أنّ أهل الباطل الذين قد يدافعون عن المعتقدات الخرافية الباطلة، قد يكون لديهم في اتّباعهم ظنّ وهو خلاف العلم، وقد يكونوا هم يحسبون ما عندهم علم، لكن العبرة لما قاله الله وقاله رسوله، ولذلك أخبر جل وعلا في آخر سورة غافر، قال جل وعلا ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ[غافر:83] هم عندهم علم في ظنهم، لكنه ليس علما مجديا، ليس علم الحق، إنما هو علم بالباطل، ولذلك فإن أهل الباطل لديهم كتب وحجج، ولكن حَجّتهم الرسل وحجهم أهل الحق، ومن لم يتدبر بالحجج القرآنية في الرد على أهل الشرك وأهل الأهواء وأهل الضلال، من لم يتدبر سيختلط عليه الطريق، وسوف يظن كل من انتسب إلى العلم عالما، وهذا ليس صحيحا، فالعالم إذا انتسب إلى العلم فزنه بالسنة، زنه بالسنة، فإذا اتبع السنة؛ يعني الطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته بالفهم والعلم والعمل والفقه، فهو محق، فهو عالم من علماء الحق، وإلا إنْ كان من أهل الأهواء ممن يحب أن يُعظم ويُبجل ويلتف الناس حوله، وهذا يُقَبِّل وهذا يتمسَّح وهو ساكت راض، فاعلم أنه ليس من علماء الحق، هذا من علماء الضلال؛ لأن هذه الأمور من محرمات أفعال القلوب ولا يرضى بها حقيقة؛ لأن العلم الصحيح يقود إلى العمل، ومن تعلم علما صحيحا ورأى الناس يعظمونه ثم هو ساكت معناه أن قلبه غير حي؛ قلبه ميت، بل هو يريد الرّفعة والجاه والسمعة، وكل هذه من المفسدات، في الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ» ورواه الإمام أحمد وغيرهما «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلاَ في غَنَمِ بِأَفْسَدَ لهَا مِنْ حِرْصِ الْرّجل عَلَى الْمَالِ وَالشّرَفِ لِدِيِنِه» فلينتبه المنتسبون للعلم خاصة من هذا الداء، فإنهم قد يرفعون، لكن السلف الصالح رضي الله عنهم، لكن الشكوى إلى الله قلوبنا ليست كقلوب أولئك، من السلف من إذا رأى الحلقة قد غصّت وامتلأ المسجد بالناس تركهم وذهب؛ خاف الشهرة على نفسه، خاف على قلبه، كل هؤلاء أتوا يستمعون كلامي، إذن عندي شيء إذن أنا وأنا، السلف كانوا يهربون من هذا هربا، إنما كانوا يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكانوا أهرب ما يكونون عن السمعة، وعن الجاه، وعن الرفعة، وعن حب التبجيل والتعظيم، هذه كلمة أتت عرضا قادنا لها الكلامُ.

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:26 pm

    ومما يدلك -نرجع إلى موضوعنا الأول- مما يدلك على فساد قول أولئك الذين ساووا بين توحيد الألوهية والربوبية؛ أو فسروا لا إله إلا الله بقولهم معناه ربنا موجود؛ أو لا رب إلا الله، أو نحو ذلك، أنّ الله جل وعلا قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) في أول سورة في كتاب الله وفي أول آية من كتاب، ففرّق الله جل وعلا بين الله وبين الرب، والشيء، الأمر لا توصف بنفسها، إنما توصف بشيء مغاير، أليس كذلك؟ هكذا قررّ أهل العلم، وهكذا هي اللغة، لا تصف الشيء بنفسه، لا تقول الكريم الكريم، هذا يسمى تأكيدا ما يسمى وصف، وقوله جل وعلا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) غاير بين الربوبية والألوهية، فإذن الألوهية شيء والربوبية شيء، فما الألوهية وما الربوبية؟ الألوهية هي أن تعبد الله وحده؛ يعني توحد الله جل وعلا بأفعالكَ أنت، بأفعالكَ أنت، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) لا تعبدوا إلا الله، توحده بأفعالك، أمثال هذه الأفعال الدعاء فلا يدعا إلا الله جل وعلا، الرجاء لا يرجى إلا الله، الاستغاثة، الاستعانة، الذبح، النذر، ونحو ذلك من أنواع العبادة، فكما أنك لا تصلي إلا لله فلا يدعا إلا الله؛ لأن الصلاة هي الدعاء، قال جل وعلا ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ[التوبة:103] (صَلِّ عَلَيهِمْ) يعني أدعو لهم، فقال جل وعلا في الآية الأخرى (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) يعني أن دعاءك سكن لهم، وقال جل وعلا في سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[الأحزاب:56]، ما معنى الصلاة هنا؟ الدعاء، وكما أنه لا تصلي أيها العبد إلا لله فكذلك لا تدعو إلا الله، ومن فرق بين الصلاة والدعاء فقد فرق بين فردين ومتآخيين فلا سبيل إلى التفريق بينهما، يقول الأعشى؛ أعشى قيس، الشاعر المعروف في شعره:
    تقول بنتي وقد قرَّبْتُ مرتحلا يا رب جنِّب أبي الأوصاب والوجع


    ما ذا قالت البنت؟ يا رب جنب أبي الأوصاب والوجع، فقال:

    عليك مثل الذي صليتِ......... ............................. ([9])

    يعني دعوتِ، فالذين يفرقون بين الدعاء والصلاة يقولون صل لله وحده، ثم الدعاء أُدعو من شئت من الأنبياء والصالحين أو الأولياء ونحو ذلك. هؤلاء جهلة في الحقيقة لأنهم لا فهموا القرآن ولا السنة ولا اللغة، وإنما ما أتوا من شهواتهم الخفية التي الله أعلم بها، وإلا فإن الحق واضح، والحق أبلج كما أن الباطل لجلج، (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، لأجل ضيق الوقت سنأخذ مقتطفات لبعض معاني السورة، وإلا فإن هذه السورة الكلام عليها يحتاج أياما؛ لأن كل كلمة منها تحتها أصول؛ أصول تكلم القرآن عنها، وأصول جاءت في القرآن وتكلم الله بها، ولذلك سميت أم القرآن، لماذا؟ لأن فيها الأصول التي جاءت في الكتاب كلها، ولكن من الناس من تدبر وقرأها...

    (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

    (الرَّحْمَنِ)و (الرَّحِيمِ) اسمان من أسماء الله متضمنان بصفة من صفات الله جل وعلا وهي صفة الرحمة، وأهل السنة يثبتون هذه الصفة على حقيقتها لله جل وعلا، مع التنزيه لله أن يكون اتصافه بهذه الصفة مشابها لاتصاف المخلوقين بها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11]، لكن هنا أريد أنْ أنبه إلى مسألة وهي أنّ الإيمان بالأسماء والصفات؛ لأننا ذكرت هنا نوعين من التوحيد: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية في أول آية، ثم في الآية الثانية نذكر توحيد الأسماء والصفات.

    الإيمان بالأسماء والصفات أيها الإخوان الإيمان الحقيقي؛ الإيمان الصحيح الذي كان على نور وبينة وعلم، هذا يُثمر في القلب، وتُرى آثاره على القلب وعلى العمل وعلى العلم، وذلك أن الإيمان أعني الإيمان بالأسماء والصفات ليس إيمانا مجردا بألفاظ لا معاني لها؛ بل إيمان بالألفاظ وما تحتها من المعاني، إيمان بالصفات وما فيها من المعاني، فالقلب الذي قرأ صاحبه (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كم سيتعلق به من المشاعر حين يمرّ في ذهنه ويحضر في قلبه سعة رحمة الله جل وعلا, كم سيكون تعلقه بالله طمعا في أن يكون من المرحومين، كم سيكون لهذا الإيمان بهذه الصفة وأن الله رحيم بعباده أرحم من الوالدة بولدها، كم سيثمر هذا في قلبه من الأمور والمعاني الخيرة التي تقوده إلى العمل الصحيح، فالإيمان بالأسماء والصفات، الإيمان يُثمر في القلوب، ولذلك الذين يعنون بهذا النوع من العلم ينبغي أن يتنبهوا حين يقرؤه ويدرسون، ينبغي أن يقرنوه دائما بأثر الإيمان بالصفات، لا ينبغي ولا يصح أن تدرس هذه الأمور خلوا من هذه الآثار؛ الآثار الإيمانية المترتبة عليها.

    الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال «يضحك ربنا» إلى آخر الحديث، قال له أعرابي أوَ يضحك ربنا؟ قال : «نعم»، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرا.

    معلوم أن ضحك الخالق جل وعلا ليس كضحكنا وحاشاه جل وعلا، ننزهه سبحانه عن الشبيه والمثيل والنديد، نثبت له سبحانه وتعالى ما أثبت لنفسه وما أثبته له رسوله مع التنزيه عن المشابهة.

    إذن أنظر كيف هذا الصحابي كيف انطبعت هذه الصفة في قلبه وأثنى على الله بها (لن نعدم من رب يضحك خيرا) سبحان الله، فكم منا من يقرأ ويسمع الأسماء والصفات ولا تثمر في قلبه، يمر عليه قول الله جل وعلا ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ[هود:90] فلا يثمر في قلبه، ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ[هود:73] فلا يثمر في قلبه، يمر عليه اسم الله ﴿الرَّقِيبَ[المائدة:117] فلا يثمر في قلبه، يمر عليه اسم الله العزيز، الحكيم، القدير، فلا يثمر في قلبه، الشعور بعظمة الله جل وعلا، وأنك أيها الإنسان ليس لك عِزّ إلا بطاعة الله جل وعلا، ليس لك فخر إلا بطاعة الله جل وعلا، فأنت تفخر إن كنت واعيا لنفسك بأن تكون من الطائعين؛ لأنك انتسبت لمن؟ لطاعة الله جل وعلا، ومن هو الله؟ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ[الحشر:23] كل هذه وغيرها من الأسماء والصفات العليا، كل هذه، تثمر في القلوب ثمرات يُرى أثرها في الاعتقاد والعمل، يرى أثرها في الرقابة والتمجيد والعظمة والتحميد والتعظيم لله جل وعلا.

    قوله جل وعلا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هذه فيها توحيد العبادة؛ توحيد الألوهية وكيف فهم منها أهل العلم ذلك؟ لأنه قدم المعبود يعني المفعول على العامل يعني الفعل، قدم (إِيَّاكَ) ما قال نعبد إياك، قال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) يعني نعبدك وحدك لا نعبد معك غيرك.

    والعبادة ما هي؟ العبادة التي لا يجوز أن تُصرف إلا لله جل وعلا، هي كل عمل فيه مرضاة لله جل وعلا مما هو مختص به جل وعلا من أفعالك أيها العبد، كالتي قدمنا؛ دعاء، وطلب الشفاعة، والنذر، الذبح، غير ذلك مما ذُكر.

    العبادة بمعنى آخر تعرف بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

    إذن العبادة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هذه العبادة ليست كما يفهمها بعض الناس اليوم، ليست هي الشعائر التعبدية أو الأركان الخمسة فقط؛ الشهادة والصلاة، لا، والزكاة والصوم والحج، لا، العبادة أوسع كل ما فيه رضا لله جل وعلا؛ اسم جامع لكل ما يرضاه جل وعلا من الأقوال والأعمال. إذن فأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر عبادة، صلتك للرحم إن أحسنت النية فيها عبادة، دراستك للعلم الشرعي عبادة، دراستك لعلم غيره إن أحسنت النية فيها عبادة، كل هذا...

    علي الجزائري
    جزاه الله خيرا و نفع به

    عدد الرسائل : 60
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف علي الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:27 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يقول الله جل وعلا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) في الحديث الذي رواه مسلم في حديثه «قَسَمْتُ الصّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي إلى نِصْفَيْنِ قَالَ العبد: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). قَالَ الله: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». (هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) فانظر وتأمل هذا الفضل العظيم الذي حذاك به خالقك، ومولاك، وربك، أنزل عليك كتابا فيه هذه السورة العظيمة، ثم أمرك أن تتعبده بأن تقرأها في كل ركعة في الصلاة، ثم بعد ذلك ومع ذلك إذا دعوت الله بها قال الله جل وعلا (هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) فأيّ كرم فوق هذا، وأي رحمة للعبد فوق هذه الرحمة، وأيّ فضل كهذا الفضل، هل يعرف العباد حق ربهم عليهم؟ خلقك وشرفك بعبادته، وأرسل لك الرسل يدلوك الطريق حتى لا تضل، ثم بعد ذلك إذا اتبعت الرسل نلت رضا الله، ونلت الجنة بعفوه ورحمته، فأي فضل فوق هذا الفضل؛ يأمرك بالشيء ويجزيك عليه، يا له من فضل، يا له من فضل وإنعام تنكسر له القلوب وتحنّ بطاعة خالقها.

    (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) الصراط هو الطريق، ووصف الطريق هنا بأنه المستقيم؛ يعني الذي جمع مع وضوحه القرب؛ قرب الوصول إلى البُغية، فإن المستقيم كما هو معروف هو أقرب، أو كما يقول أهل الرياضيات، يقولون فأقصر خط يصل بين نقطتين، فهذا حقيقة هو وصفه؛ وصف الصراط المستقيم، إذْ على أول الطريق أنت أيها العبد، وآخر الطريق فيه رضا الله، والجنة وأقصر طريق يوصلك؛ بل هو الطريق الوحيد هو ماذا؟ اتباع الرسول؛ واتّباع شرع الله.

    (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) تسأل ربك الهداية؛ هداية التوفيق والإلهام للصراط المستقيم، وهذا يجعل القلب يتفكر ويسأل: ألسنا مهتدين؟ نحن على خير إن شاء الله، فما فائدة هذا السؤال (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) نكرره في كل يوم وليلة كذا وكذا مرة؟ ما فائدة هذا التَّكرار؟ يعلمك ربك أنك لا تظن أنّ هذا الصراط؛ أنك إذا هديت عليه أول الأمر، أنك لا تحتاج إلى تثبت له، تثبيت لسيرك عليه؟ فإنّ هذا الصراط المستقيم تحتاج دائما إلى العناية بنفسك عليه، وأن تسأل ربك الثبات عليه سؤالا حينا بالهداية، وسؤالا حينا بالعبادة، وسؤالا حينا بالطاعة، وسؤالا حينا بالدعوة، كل هذه من وسائل التثبيت على الصراط المستقيم؛ لأن هذا الصراط قد انتصب عليه شياطين الإنس والجن ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ قول إبليس في سورة الأعراف ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[الأعراف:16-17] إذن هذا الصراط قد انتصب عليه -يعني هذا الدين، اتّباع الشريعة هذا القرآن هوالصراط- قد انتصب لك عليه شياطين الإنس يضلوك ويثبطوك عن المُضِي فيه، فاحذر منه، اسأل الله دائما الثبات عليه، فاسأل الله دائما، وأنت تقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) اسأله حقيقة لا لفظا، اسأله مستشعرا حاجتك الملحة للثبات على صراط الله.

    والصرط المستقيم هو الإسلام والقرآن والشريعة، ونحو ذلك من تفاسير السلف، والصراط تنوّع في القرآن:

    أحيانا يطلق كهذه الآية.

    وأحيانا يضاف –صراط المستقيم-، وأحيانا يضاف إلى الله سبحانه وتعالى كما في قوله جل وعلا في آخر سورة الشورى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52)صِرَاطِ اللَّهِ[الشورى:52] فمرة أضافه إلى الله قال (صِرَاطِ اللَّهِ)، ومرة قال جل وعلا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، فمرة قال (صِرَاطِ اللَّهِ) ومرة قال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، أضافه مرة إلى الله؛ لأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب الذي يُفسر به الصراط، وهو الذي تعبدنا بالإسلام، وأضافه حينا إلى الذين أنعمت عليهم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)؛ لأنهم هم الذين يسلكون، هم الذين يسرون عليه، يسيرون على صراط الله، الذين أنعم الله عليهم يسيرون على صراط الله، فهذا تشريف فوق التشريف؛ أنهم يسيرون على صراط هو صراط الله، هو الطريق الموصل إلى الله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

    واعلم أن ها هنا عجيبة دلت عليها هذه الآية، وهو أن الله جل وعلا سمّى الإسلام، وسمّى شرعه، وسمّى دينه، وسمّى قرآنه صراط مستقيما، كما أنه جل وعلا نصب يوم القيامة على متن جهنم طريقا وجسرا سماه صراطا، فهنا في هذه الدنيا هناك صراط هو الإسلام، وفي الآخرة هناك صراطا منصوب على متن جهنم أعاذنا الله وإياكم منها، واعلم أنه لن تعبر ذاك الصراط الذي هو على متن جهنم إلا بهذا الصراط إذا سلكته في الدنيا؛ صراط الله الإسلام الإيمان، لا يعبر ذاك الصراط إلا بهذا الصراط، وذاك الصراط أيضا جعل الله في جنبتيه كلاليب تخدش وتخطف من هو سائر عليه يوم القيامة، وكذلك على هذا الصراط في الدنيا؛ هناك كلاليب تخطف السائر على الصراط المنصوب على متن جهنم، وكذلك في هذه الدنيا على هذا الصراط الذي هو الإسلام أو الشريعة أو القرآن أو التوحيد فيه وفي جنبتي الصراط كلاليب أيضا تخطفك عن السير فيه، فتنبه لها إنها المعاصي، إنها الآثام، إنها حظوظ النفس، إنها الشهوات، إنها طاعة الهوى، طاعة إبليس، عبادته؛ لأن إبليس يعبد بالطاعة فمن أطاعه فقد عبده عبادة طاعة، كما قال جل وعلا في سورة يس ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ[يس:60-61] فلهذا فعبادة الشيطان هي طاعته، فهذا الصراط عليه كلاليب في الدنيا من المعاصي الآثام فزن نفسك يا عبد الله عند قراءة هذه الآية في صلاة، في كل مرة، وفي كل فرض فزن نفسك بما حصل منك ما بين الفرض والفرض، وكرره، فهل مشيت على هذا الصراط مشيا جادا حثيثا أم تخطفتك كلاليب، فإذا تخطفتك كلاليب بين الفرض والفرض من عبادة الشيطان أو طاعته أو المعاصي، فاعلم أنك إن لم تبادر بالتوبة فستخطفك الكلاليب هناك، هذا حق يجب أن نستشعره ونحن نتلو هذه الآية، وعلى قدر سيرك على هذا الصراط في الدنيا يكون سيرك على ذاك الصراط في الآخرة، واعلم أنه جل وعلا وحد الصراط هنا فقال (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) يعني هو صراط واحد، وسبحانه وتعالى ذكر في آخر سورة الأنعام أنّ غير سبيله سبل، غير صراطه سبل متفرقة، فقال جل وعلا في أول الآية، الآية محفوظة يعني ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ هذا أول الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ هذه الآية كان يسميها السلف أو بعض العلماء يقول إنها آية الوصايا العشر، وهذه هي آخر الوصية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ[الأنعام:153] فإذن غير صراط الله هناك سبل، فهناك سبل، فصراط الله جل وعلا واحد، صراط الله جل وعلا واحد، وسيرك عليه على هذا الصراط الواحد تتجه فيه إلى واحد هو الله جل وعلا، فالصراط واحد وأنت تتجه إلى واحد جل وعلا، فلا تشرك في سيرك معه غيره سبحانه وتعالى أبدا، بل كما أن الصراط واحد فإذن هذا الصراط يوصل إلى الله جل وعلا وهو واحد، وأيضا سيرك على هذا الصراط يحتاج إلى شيء، يحتاج إلى أمر، وهو أن تسير عليه على بينه؛ أن تسير عليه على دليل ووضوح، وهذا هو التوحيد الآخر الذي دلت عليه هذه الآية وهو توحيد المتابعة؛ متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي دلت عليه الذي دل عليه القسم الثاني من الشهادة، وهو قولنا وأشهد أن محمدا رسول الله؛ يعني أن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته وشرعه هو المقتفى وحده، لا نقتفي غيره أبدا.

    فإذا كان السبيل واحد وهو الصراط، والمرجو والمراد واحد وهو الله جل وعلا، والدليل واحد وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فجمعت هذه الآية بلوازمها ثلاثة أنواع من التوحيد، فانظر قلبك كيف إذا عالما بهذه المعاني كيف تشعر.... وتعظيمه وما يجب له من أنواع الجلال والتعظيم، ولذا قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:

    فلواحد كن واحدا في واحد
    أعني سبيل الحق والإيمان


    (فلواحد) لله جل وعلا، (كن واحدا) في قصدك وإرادتك، (في واحد) في سبيل واحد وهو طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفسرها قال (أعني سبيل الحق والإيمان) وهو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الكلام على هذه السورة وعلى هذه الآيات وما يخطر بالبال عند تلاوتها كثير، ولكن لعل قليلا ينفع خير من كثير يذهب، فإن القلة معها النفع، وإنّ الكثرة قد يكون معه الزلل، ولذا أستغفر الله وأتوب إليه في آخر مقالي هذا، وأدعو الله سبحانه وتعالى لي ولكم بالثبات على دينه، وبالتبصر في طريق الحق، وبمعرفة حق الله علينا؛ فإن حق الله علينا عظيم، فيجب أن نفكر فيه –في هذا الحق-، وكيف نعبد الله جل وعلا ونتذلل له ونخضع له، ونكسر بين يديه، وتنكسر قلوبنا لله جل وعلا، عسانا نكون من الناجين المفلحين، فإن هذه الحياة أيها الإخوان ليست بشيء؛ فمن عاش مائة سنة كمن عاش عشرين سنة؛ يعني عند حلول الممات، ولكن الشأن كل الشأن فيما يستقدمه الإنسان في حياته، ربّ امرئ غرغر يعني حضرته الوفاة فمرت عليه حياته يودّ أنه يرجع ليعمل غير الذي كان يعمل، ولما كان الموت والأجل خفيّا عنا أوجب لذوي القلوب التي تخاف الآخرة وتعمل حق الله عليها، أوجب عليها التوبة الآن وحينا، ولكن ما نقول في زمن إذا أتينا فيه إلى المساجد رقّت قلوبنا وإذا رأينا خارج المساجد قست قلوبنا.

    فنسأل الله العليم الجليل بأسمائه الحسنى وبصفاته العليا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأن يذكرنا منه نسينا، وأن يعلمنا به ما جهلنا، وأن يرزقنا تلاوته على الوجه الذي يرضيه عنا، تلاوة فيها التدبر ومعرفة كلامه سبحانه وتعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    avatar
    أبو حارثة الأثري الجزائري
    المشرف العام

    ذكر عدد الرسائل : 411
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 5
    تاريخ التسجيل : 24/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف أبو حارثة الأثري الجزائري في الجمعة مايو 30, 2008 9:56 pm

    بارك الله فيكم اخي على هذه المشاركة الطيبة النافعة
    avatar
    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في السبت مايو 31, 2008 8:35 am

    احسن الله اليكم ونفعنا واياكم بهاته المشاركة الطيبة


    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    زائر
    زائر

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف زائر في السبت يونيو 07, 2008 8:00 pm

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا على مشاركة الطيبة

    جعلها الله في ميزان الحسنات

    زائر
    زائر

    رد: تفسير سورة الفاتحة لمعالي الشيخ صالح آل الشيخ نفعنا الله بعلمه

    مُساهمة من طرف زائر في الخميس نوفمبر 06, 2008 2:13 pm

    [img][/img]بارك الله فيك وحفظك جزاك الله خيرا ورزقك العلم لنافع والعمل الصالح

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 21, 2017 5:06 pm