منتدى قائم على منهج السلف الصالح في فهم النصوص الشرعية


    مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    شاطر

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:11 am


    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا تفريغ لكتاب مجالس شهر رمضان لفضيلة العلامة ابن تيمية الزمان محمد ابن اعثيمين رحمه الله
    عنوان الكتاب:

    مجالس شهر رمضان

    تأليف:

    محمد بن صالح العثيمين

    الناشر:

    الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة

    الرابعة، 1408هـ

    ص -3- مجالس شهر رمضان
    تأليف: محمد بن صالح بن عثيمين
    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.
    أما بعد:
    فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك، تستوعب كثيراً من أحكام الصيام والقيام والزكاة وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيراً من خطبها من كتاب: "قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة"، مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك، وسميته: "مجالس شهر رمضان"
    أسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصاً لله، وأن ينفع بها، إنه جواد كريم.



    ص -4- المجلس الأول: في فضل شهر رمضان
    الحمد لله الذي أنشأ وبرأ، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرأ، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن عمله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمر الله وجرى، ونجى الخليل من النار فصار حرها برداً وسلاماً عليه فاعتبروا بما جرى، وآتى موسى تسع آياتٍ فما ادكر فرعون وما ارعوى، وأيد عيسى بآيات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فيه البينات والهدى. أحمده على نعمه التي لا تزال تترى. وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرا، وعلى عمر الملهم في رأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنتيه ما كان حديثاً يفترى، وعلى ابن عمه عليّ؛ بحر العلوم وأسد الثرى، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليماً:
    إخواني: لقد أظلنا شهركريم، وموسم عظيم. يعظم الله فيه الأجر ويجزل المواهب، ويفتح أبواب الخير فيه لكل راغب، شهر الخيرات والبركات، شهر المنح والهبات، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان}، شهر محفوف بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، اشتهرت بفضله الأخبار، وتواترت فيه الآثار.
    ففي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين". وإنما تفتح أبواب الجنة في هذا الشهر؛ لكثرة الأعمال الصالحة وترغيباً للعاملين، وتغلق أبواب



    ص -5- النار؛ لقلة المعاصي من أهل الإيمان، وتصفد الشياطين فتغل فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره.
    وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك. وتُصَفَّد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره. ويغفر لهم في آخر ليلة" قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر ؟. قال: "لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".
    أخواني، هذه الخصال الخمس ادّخرها الله لكم، وخصكم بها من بين سائر الأمم، ومَنَّ بها عليكم ليتمم بها عليكم النعم، وكم لله عليكم من نعم وفضائل {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
    الخصلة الأولى: أن خَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
    والخلُوف بضم الخاء أو فتحها: تغير رائحة الفم عند خلو المعدة من الطعام وهي رائحة مستكرهة عند الناس، لكنها عند الله أطيب من رائحة المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته، وكل ما نشأ عن عبادته وطاعته فهو محبوب عنده سبحانه، يعوِّض عنه صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب، ألا ترون إلى الشهيد الذي قتل في سبيل الله يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، لونه لون الدم وريحه ريح المسك، وفي الحج يباهي الله الملائكة بأهل الموقف فيقول سبحانه: "انظروا إلى عبادي هؤلاء، جاؤوني شعثاً غبراً" رواه أحمد وابن حبان في صحيحه. وإنما كان الشّعث محبوباً إلى الله في هذا الموطن؛ لأنه ناشئ عن طاعة الله باجتناب محظورات الإحرام وترك الترفه.
    الخصلة الثانية: إن الملائكة تستغفر لهم حتى يُفطروا. والملائكة عباد



    ص -6- مكرمون عند الله، {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، فهم جديرون بأن يستجيب الله دعاءهم للصائمين، حيث أذن لهم به، وإنما أذن الله لهم بالاستغفار للصائمين من هذه الأمة تنويها بشأنهم ورفعة لذكرهم وبياناً لفضيلة صومهم.
    والاستغفار: طلب المغفرة وهي ستر الذنوب في الدنيا والآخرة والتجاوز عنها، وهي من أعلى المطالب وأسمى الغايات، فكل بني آدم خطّاؤُن مسرفون على أنفسهم، مضطرون إلى مغفرة الله عز وجل.
    الخصلة الثالثة: أن الله يزين كل يوم جنته ويقول: "يُوشِكُ عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك".
    فيزين تعالى جنته كل يوم تهيئة لعباده الصالحين، وترغيباً لهم في الوصول إليها، ويقول سبحانه: "يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المؤونة والأذى" يعني: مؤونة الدنيا وتعبها وأذاها، ويشمروا إلى الأعمال الصالحة التي فيها سعادتهم في الدنيا والآخرة والوصول إلى دار السلام والكرامة.
    الخصلة الرابعة: أن مردة الشياطين يُصفّدون بالسلاسل والأغلال، فلا يصلون إلى ما يريدون من عباد الله الصالحين من الإضلال عن الحق والتثبيط عن الخير.
    وهذا من معونة الله لهم أن حبس عنهم عدوهم الذي {يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولذلك تجد عند الصالحين من الرغبة في الخير والعزوف عن الشر في هذا الشهر أكثر من غيره.
    الخصلة الخامسة: أن الله يغفر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر ليلة من هذا الشهر إذا قاموا بما ينبغي أن يقوموا به في هذا الشهر المبارك، من الصيام والقيام تفضلاً منه سبحانه بتوفية أجورهم عند انتهاء أعمالهم، فإن العامل يوفى أجره عند انتهاء عمله.
    وقد تفضل سبحانه على عباده بهذا الأجر من وجوه ثلاثة:
    الأول: أنه شرع لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سبباً لمغفرة ذنوبهم، ورفعة درجاتهم، ولولا أنه شرع ذلك ما كان لهم أن يتعبدوا لله بها، إذ العبادة لا تؤخذ إلا من وحي الله إلى رسله، ولذلك أنكر الله على من يَشْرَعُون من دونه، وجعل ذلك نوعاً من الشرك، فقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}.



    ص -7- الوجه الثاني: أنه وفقهم للعمل الصالح، وقد تركه كثير من الناس، ولولا معونة الله لهم وتوفيقه ما قاموا به، فلله الفضل والمنة بذلك {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
    الوجه الثالث: أنه تفضل بالأجر الكثير: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فالفضل من الله بالعمل والثواب عليه، والحمد لله رب العالمين.
    إخواني: بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بلغه وقام بحقه، بالرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته، ومن الغفلة عنه إلى ذكره، ومن البعد عنه إلى الإنابة إليه:

    يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبِ حتى عصى ربه في شهر شعبان

    لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تُصَيره أيضاً شهر عصيان

    واتل القران وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرْآنِ

    كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان

    أفناهم الموت واستبقاك بعدهمُ حيا فما أقرب القاصي من الداني

    اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، ووفّقنا للتزّود من التقوى قبل النّقلة، وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



    ص -8- المجلس الثاني: في فضل الصيام
    الحمد لله اللطيف الرؤوف المنان، الغني القوي السلطان، الحليم الكريم الرحيم الرحمن، الأول فلا شيء قبله، الآخر فلا شيء بعده، الظاهر فلا شيء فوقه، الباطن فلا شيء دونه، المحيط علماً بما يكون وما كان، يعز ويذل، ويفقر ويغني، ويفعل ما يشاء بحكمته {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}، أرسى الأرض بالجبال في نواحيها، وأرسل السحاب الثقال بماء يحيها، وقضى بالفناء على جميع ساكنيها ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي المحسنين بالإحسان. أحمده على الصفات الكاملة الحسان، وأشكره على نعمه السابغة وبالشكر يزيد العطاء والامتنان.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان.
    صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم ما توالت الأزمان، وسلّم تسليماً.
    إخواني: اعلموا أن الصوم من أفضل العبادات وأجل الطاعات، جاءت بفضله الآثار، ونقلت فيه بين الناس الأخبار.
    فمن فضائل الصوم: أن الله كتبه على جميع الأمم، وفرضه عليهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ولولا أنه عبادة عظيمة لا غنى للخلق عن التعبد بها لله وعما يترتب عليها من ثواب ما فرضه الله علىجميع الأمم.
    ومن فضائل الصوم في رمضان: أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات.
    ففي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" يعني: إيماناً بالله ورضاً بفرضية الصوم عليه. واحتساباً لثوابه وأجره، لم يكن



    ص -9- كارهاً لفرضه ولا شاكاً في ثوابه وأجره؛ فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه.
    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجُمعة إلى الجُمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
    ومن فضائل الصوم: أن ثوابه لا يتقيد بعدد معين، بل يعطي الصائم أجره بغير حساب.
    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" وفي رواية لمسلم: "كل عمل ابن آدم له يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي".
    وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة:
    الأول: أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال، وذلك لشرفه عنده ومحبته له، وظهور الإخلاص له سبحانه فيه، لأنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكناً من تناول ما حرم الله عليه بالصيام فلا يتناوله، لأنه يعلم أن له رباً يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه ذلك فيتركه لله خوفاً من عقابه ورغبة في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله، ولهذا قال: "يدع شهوته وطعامه من أجلي". وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى إذا لم يبق إلا الصوم يتحمل الله عنه ما بقي من المظالم ويدخله الجنة بالصوم".
    الثاني: أن الله قال في الصوم: "وأنا أجزي به" فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة، لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه







    عدل سابقا من قبل أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 1:13 am عدل 2 مرات


    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:15 am

    [b][b]

    ص -9- كارهاً لفرضه ولا شاكاً في ثوابه وأجره؛ فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه.
    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجُمعة إلى الجُمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
    ومن فضائل الصوم: أن ثوابه لا يتقيد بعدد معين، بل يعطي الصائم أجره بغير حساب.
    ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يَصْخَب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" وفي رواية لمسلم: "كل عمل ابن آدم له يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي".
    وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة:
    الأول: أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال، وذلك لشرفه عنده ومحبته له، وظهور الإخلاص له سبحانه فيه، لأنه سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه إلا الله، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكناً من تناول ما حرم الله عليه بالصيام فلا يتناوله، لأنه يعلم أن له رباً يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه ذلك فيتركه لله خوفاً من عقابه ورغبة في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله، ولهذا قال: "يدع شهوته وطعامه من أجلي". وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى إذا لم يبق إلا الصوم يتحمل الله عنه ما بقي من المظالم ويدخله الجنة بالصوم".
    الثاني: أن الله قال في الصوم: "وأنا أجزي به" فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة، لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه

    ص -10- إلى نفسه من غير اعتبار عدد، وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين، والعطية بقدر معطيها، فيكون أجر الصائم عظيما كثيراً بلا حساب.
    والصيام: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس. فقد اجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة، وتحقق أن يكون الصائم من الصابرين، وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
    الثالث: أن "الصوم جنة" أي: وقاية وستر، يقي الصائم من اللغو والرفث، ولذلك قال: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب".
    ويقيه أيضاً من النار، ولذلك روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام جُنّة، يستجن بها العبد من النار".الرابع: أن "خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"؛ لأنها من آثار الصيام، فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له. وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله، حتى إن الشيء المكروه المستخبث عند الناس يكون محبوباً عند الله وطيباً لكونه نشأ عن طاعته بالصيام.
    الخامس: أن للصائم فرحتين: فرحةً عند فطره، وفرحةً عند لقاء ربه.أما فرحه عند فطره: فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة، وكم أناس حرموه فلم يصوموا.
    ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان محرماً عليه حال الصوم.
    وأما فرحه عند لقاء ربه: فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى موفراً كاملاً في وقت هو أحوج ما يكون إليه، حين يقال: أين الصائمون ؟ ليدخلوا الجنة من باب الريان الذي لا يدخله أحد غيرهم.
    وفي هذا الحديث: إرشاد للصائم إذا سابه أحد أو قاتله أن لا يقابله بالمثل لئلا يزداد السباب والقتال، وأن لا يضعف أمامه بالسكوت، بل يخبره بأنه صائم؛ إشارة إلى أنه لن يقابله بالمثل احتراماً للصوم، لا عجزاً عن الأخذ بالثأر، وحينئذ ينقطع السباب والقتال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
    ص -11- ومن فضائل الصوم: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة.
    فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه. قال: فيُشَفَّعَان" رواه أحمد.
    إخواني: فضائل الصوم لا تدرك حتى يقوم الصائم بآدابه، فاجتهدوا في إتقان صيامكم وحفظ حدوده، وتوبوا إلى ربكم من تقصيركم في ذلك.
    اللهم أحفظ صيامنا، واجعله شافعاً لنا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
    ص -12- المجلس الثالث: في حكم صيام رمضان
    الحمد لله الذي لا مانع لما وهب، ولا معطي لما سلب، طاعته للعاملين أفضل مكتسب، وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهل لهم في جانب طاعته كل نصب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء على الأشقياء حين زاغوا فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به فأصلاهم ناراً ذات لهب. أحمده على ما منحنا من فضله ووهب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هزم الأحزاب وغلب.
    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب، وعلى عمر الذي فر الشيطان منه وهرب، وعلى عثمان ذي النورين التقيّ النقيّ الحسب، وعلى علي صهره وابن عمه في النسب، وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومكتسب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب، وسلم تسليماً.
    إخواني: إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان" متفق عليه. ولمسلم: "وصوم رمضان، وحج
    ص -13- البيت".
    وأجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان إجماعاً قطعياً معلوماً بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر وجوبه فقد كفر، فيستتاب، فإن تاب وأقَرَّ بوجوبه، وإلا قُتل كافراً مرتداً عن الإسلام، لا يغسل ولا يكفن ولا يصلي عليه، ولا يدعي له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له بعيداً في مكان ويدفن لئلا يؤذي الناس برائحته ويتأذى أهله بمشاهدته.
    فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وكان فرض الصيام على مرحلتين:
    المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه.
    المرحلة الثانية: تعيين الصيام بدون تخيير، ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر ويفتدي "يعني: فعل"، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، يعني بها قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، فأوجب الله الصيام عيناً بدون تخيير.
    ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم" رواه البخاري.
    ويحكم بدخول شهر رمضان بواحد من أمرين:
    الأول: رؤية هلاله، لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" متفق عليه.
    ولا يشترط أن يراه كل واحد بنفسه، بل إذا رآه من يثبت بشهادته دخول الشهر وجب الصوم على الجميع.
    ويشترط لقبول الشهادة بالرؤية: أن يكون الشاهد بالغاً عاقلاً مسلماً موثوقاً بخبره؛ لأمانته وبصره.
    فأما الصغير فلا يثبت الشهر بشهادته لأنه لا يوثق به، وأولى منه المجنون، والكافر لا يثبت الشهر بشهادته أيضاً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم
    ص -14- فقال: إني رأيت الهلال، يعني: رمضان. فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله ؟" قال: نعم، قال: "أتشهد أن محمداً رسول الله ؟" قال: نعم، قال: "يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غداً" أخرجه الخمسة إلا أحمد.
    ومن لا يوثق بخبره بكونه معروفاً بالكذب أو بالتسرع، أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته للشك في صدقه أو رجحان كذبه.
    ويثبت دخول شهر رمضان خاصة بشهادة رجل، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه" رواه أبو داود والحاكم وقال: على شرط مسلم.
    ومن رآه متيقناً رؤيته وجب عليه إخبار ولاة الأمور بذلك، وكذلك من رأى هلال شوال وذي الحجة، لأنه يترتب على ذلك واجب الصوم والفطر والحج "وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وإن رآه وحده في مكان بعيد لا يمكنه إخبار ولاة الأمور فإنه يصوم ويسعى في إيصال الخبر إلى ولاة الأمور بقدر ما يستطيع.
    وإذا أُعْلِنَ ثبوت الشهر من قبل الحكومة بالراديو أو غيره وجب العمل بذلك في دخول الشهر وخروجه في رمضان أو غيره، لأن إعلانه من قبل الحكومة حجة شرعية يجب العمل بها، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يؤذن في الناس معلناً ثبوت الشهر ليصوموا حين ثبت عنده صلى الله عليه وسلم دخوله، وجعل ذلك الإعلام ملزماً لهم بالصيام.
    وإذا ثبت دخول الشهر ثبوتاً شرعيا فلا عبرة بمنازل القمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم برؤية الهلال لا بمنازله، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" رواه أحمد.
    الأمر الثاني مما يحكم فيه بدخول الشهر: إكمال الشهر السابق قبله ثلاثين يوماً، لأن الشهر القمريّ لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوماً ولا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً، وربما يتوالى شهران أو ثلاثة إلى أربعة: ثلاثين يوماً، أو شهران أو ثلاثة إلى أربعة: تسعة وعشرين يوماً، لكن الغالب شهر أو شهران كاملة والثالث ناقص
    ص -15- والثالث ناقص. فمتى تم الشهر السابق ثلاثين يوماً حكم شرعاً بدخول الشهر الذي يليه وإن لم ير الهلال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" رواه مسلم، ورواه البخاري بلفظ: "فإن غُبِىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين". وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً ثم صام". وأخرجه أيضاً أبو داود والدار قطني وصححه.
    وبهذه الأحاديث تبين أنه لا يصام رمضان قبل رؤية هلاله، فإن لم ير الهلال أكمل شعبان ثلاثين يوماً.
    ولا يصام يوم الثلاثين منه سواء كانت الليلة صحواً أم غيماً، لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وذكره البخاري تعليقاً.
    اللهم وفقنا لاتباع الهدى، وجنبنا أسباب الهلاك والشقاء، واجعل شهرنا هذا لنا شهر خير وبركة، وأعنا فيه على طاعتك، وجنبنا طرق معصيتك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
    ص -16- المجلس الرابع: في حكم قيام رمضان
    الحمد لله الذي أعان بفضله الأقدام السالكة، وأنقذ برحمته النفوس الهالكة، ويسر من شاء لليسرى فرغب في الآخرة. أحمده على الأمور اللذيذة والشائكة.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والقهر، فكل النفوس ذليلة عانية. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائم بأمر ربه سراً وعلانية، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي تحرض عليه الفرقة الآفكة، وعلى عمر الذي كانت نفسه لنفسه مالكة، وعلى عثمان منفق الأموال المتكاثرة، وعلى علي مفرق الأبطال في الجموع المتكاثفة، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان ما قرعت الأقدام السالكة، وسلم تسليماً.
    إخواني: لقد شرع الله لعباده العبادات، ونوعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب، ولئلا يملوا من النوع الواحد فيتركوا العمل، فيشقى الواحد منهم ويخيب، وجعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال، ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله والإكمال.
    فمن ذلك: الصلاة، فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، خمساً في الفعل وخمسين في الميزان، وندب الله إلى زيادة التطوع من الصلوات تكميلاً لهذه الفرائض وزيادة في القربى إليه.
    فمن هذه النوافل: الرواتب التابعة للصلوات المفروضة، ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
    ومنها: صلاة الليل التي امتدح الله في كتابه القائمين فيها، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}، وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
    وقال النبي صلى الله عليه
    ص -17- وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وصححه الحاكم.
    ومن صلاة الليل: الوتر، أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، فيوتر بركعة مفردة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" رواه أبو داود والنسائي.
    ويوتر بثلاث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل" رواه أبو داود والنسائي.
    فإن أحب سردها بسلام واحد لما روى الطحاوي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أوتر بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن" وإن أحب صلى ركعتين وسلم، ثم صلى الثالثة، لما روى البخاري عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يسلِّم بين الركعتين والركعة في الوتر، حتى كان يأمر ببعض حاجته.
    ويوتر بخمس فيسردها جميعاً لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يوتر بخمس فليفعل" رواه أبو داود والنسائي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن" متفق عليه.
    ويوتر بسبع فيسردها كالخمس، لقول أم سلمة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
    ويوتر بتسع فيسردها لا يجلس إلا في الثامنة، فيقرأ التشهد ويدعو ثم يقوم ولا يسلم، فيصلي التاسعة ويتشهد ويدعو ويسلم، لحديث عائشة رضي الله عنها في وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا" الحديث، رواه أحمد ومسلم.
    ويصلي إحدى عشرة ركعة، فإن أحب سلم من كل ركعتين وأوتر بواحدة، لحديث عائشة رضي الله عنها
    ص -18- قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة" الحديث، رواه الجماعة إلا الترمذي.
    وإن أحب صلى أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً" متفق عليه.


    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:16 am


    وقال الفقهاء من الحنابلة والشافعية: "يجوز في الوتر بإحدى عشرة أن يسردها بتشهد واحد أو بتشهدين في الأخيرة والتي قبلها".
    وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
    ومعنى قوله: "إيماناً" بالله وبما أعده من الثواب للقائمين، ومعنى قوله: "احتساباً" أي: طلباً لثواب الله، لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب مال ولا جاه.
    وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره، وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها واحتساب الأجر والثواب من الله عليها، وما هي إلا ليال معدودة، ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها.
    وإنما سميت "تراويح" لأن الناس كانوا يطيلونها جداً، فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلاً.
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفاً من أن تفرض على أمته، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" قال: وذلك في رمضان". وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: "صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، ثم قام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، أي: نصفه. فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا
    ص -19- بقية ليلتنا هذه ؟. فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" الحديث، رواه أهل السنن بسند صحيح.
    واختلف السلف الصالح في عدد الركعات في صلاة التراويح والوتر معها:
    فقيل: إحدى وأربعون ركعة.
    وقيل: تسع وثلاثون.
    وقيل: تسع وعشرون.
    وقيل: ثلاث وعشرون.
    وقيل: تسع عشرة.
    وقيل: ثلاث عشرة.
    وقيل: إحدى عشرة.
    وقيل: غير ذلك.
    وأرجح هذه الأقوال: أنها إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة". وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة" يعني: من الليل، رواه البخاري، وفي الموطأ عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: "أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة".
    وكان السلف الصالح يطيلونها جداً، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: "كان القاري يقرأ بالمئين يعني: بمئات الآيات حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام".
    وهذا خلاف ما كان عليه كثير من الناس اليوم، حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة، لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، فيخلون بهذا الركن، ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن، يجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم.
    وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يُسَنّ. فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب ؟. نسأل الله السلامة.
    ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التراويح، لينال ثوابها وأجرها، ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر ليحصل له أجر قيام الليل كله.
    ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد إذا أمنت الفتنة منهن وبهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله"، ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم، لكن يجب أن تأتي متسترة متحجبة غير متبرجة ولا متطيبة ولا رافعة صوتاً ولا مبدية زينة، لقوله تعالى

    [/b][/b]


    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:19 am

    ص -20- {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي: لكن ما ظهر منها فلا يمكن إخفاؤه، وهي الجلباب والعباءة ونحوهما، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج إلى الصلاة يوم العيد قالت أم عطية: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب ؟. قال: "لِتُلْبِسْهَا أختها من جلبابها" متفق عليه.
    والسنة للنساء: أن يتأخرن عن الرجال ويبعدن عنهم، ويبدأن بالصف المؤخر فالمؤخر عكس الرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" رواه مسلم.
    وينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام، ولا يتأخرن إلا لعذر، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيراً قبل أن يقوم. قالت: نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال" رواه البخاري.
    اللهم وفقنا لما وفقت القوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



    ص -21- المجلس الخامس: في فضل تلاوة القرآن وأنواعه
    الحمد لله الداعي إلى بابه، الموفق من شاء لصوابه، أنعم بإنزال كتابه، يشتمل على محكم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به. أحمده على الهدى وتيسير أسبابه،.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النجاة من عقابه. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل الناس عملاً في ذهابه وإيابه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل أصحابه، وعلى عمر الذي أعز الله به الدين واستقامت الدنيا به، وعلى عثمان شهيد داره ومحرابه، وعلى علي المشهور بحل المشكل من العلوم وكشف نقابه، وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به، وسلم تسليماً.
    إخواني: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}.
    تلاوة كتاب الله على نوعين:
    تلاوة حكمية، وهي: تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وسيأتي الكلام عليها في مجلس آخر إن شاء الله.
    والنوع الثاني: تلاوة لفظية، وهي قراءته.
    وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها، إما في جميع القرآن وإما في سور أو آيات معينة منه: ففي الصحيحين عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" والأجران أحدهما على التلاوة والثاني على مشقتها على القارئ. وفي الصحيحين أيضاً عن



    ص -22- أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو". وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه". وفي صحيح مسلم أيضاً عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل". وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". وقال صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها" متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم نسيت آية كَيْتَ وكَيْتَ وَكَيْتَ، بل هو نُسِّيَ" رواه مسلم. وذلك أن قوله: "نسيت" قد يشعر بعدم المبالاة بما حفظ من القرآن حتى نسيه، وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {أَلم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الترمذي. وعنه رضي الله عنه أيضاً أنه قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الترداد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول {أَلم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" رواه الحاكم.
    إخواني: هذه فضائل قراءة القرآن، وهذا أجره لمن احتسب الأجر من الله والرضوان، أجور كبيرة لأعمال يسيرة، فالمغبون من فرط فيه، والخاسر من



    ص -23- فاته الربح حين لا يمكن تلافيه. وهذه الفضائل شاملة لجميع القرآن.
    وقد وردت السنة بفضائل سور معينة مخصصة:
    من تلك السور: سورة الفاتحة. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". ومن أجل فضيلتها كانت قراءتها ركنا في الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خَداج" يقولها ثلاثاً. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك. الحديث، رواه مسلم.
    ومن السور المعينة: سورة البقرة، وآل عمران. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما. اقرؤا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة" يعني: السحرة. رواه مسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" رواه مسلم. وذلك لأن فيها آية الكرسي، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح".
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل قال وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته" رواه مسلم.
    ومن السور المعينة في الفضيلة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: "والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن". وليس معنى كونها تعدله في الفضيلة أنها



    ص -24- تجزئ عنه، ولذلك لو قرأها في الصلاة ثلاث مرات لم تجزئه عن الفاتحة، ولا يلزم من كون الشئ معادلاً لغيره في الفضيلة أن يجزئ عنه، ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل" وفي رواية للطبراني: "كن له كعدل عشر رقاب من ولد إسماعيل" ومع ذلك فلو كان عليه أربع رقاب كفارة فقال هذا الذكر لم يجزئه عن هذه الرقاب وإن كان يعادلها في الفضيلة.
    ومن السور المعينة في الفضيلة: سورتا المعوذتين: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}" رواه مسلم. وللنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عقبة أن يقرأ بهما، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما سأل سائل بمثلها، ولا استعاذ مستعيذ بمثلها".
    فاجتهدوا إخواني في كثرة قراءة القرآن المبارك، لا سيما في هذا الشهر الذي أنزل فيه، فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً.
    وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، كان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: "إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام".
    وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف.
    وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليال دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة.
    وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر في كل ليلتين.
    وكان الأسود رحمه الله يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر.
    فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار، واتبعوا طريقهم تلحقوا بالبررة الأطهار، واغتنموا ساعات الليل والنهار بما يقربكم إلى العزيز الغفار، فإن الأعمار



    ص -25- تطوى سريعاً، والأوقات تمضي جميعاً، وكأنها ساعة من نهار.
    اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، واهدنا به سبل السلام، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، واجعله حجه لنا لا علينا يا رب العالمين.
    اللهم ارفع لنا به الدرجات، وأنقذنا به من الدركات، وكفر عنا به السيئات، واغفر لنا ولوالدِينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



    ص -26- المجلس السادس: في أفسام الناس في الصيام
    الحمد لله الذي أتقن بحكمته ما فطر وبنى، وشرع الشرائع رحمة وحكمة طريقاً وسننا، وأمرنا بطاعته لا لحاجته بل لنا، يغفر الذنوب لكل من تاب إلى ربه ودنا، ويجزل العطايا لمن كان محسناً، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، أحمده على فضائله سرًا وعلنا.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها الفوز بدار النعيم والهنا. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي رفعه فوق السموات فدنا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر القائم بالعبادة راضياً بالعنا، الذي شرفه الله بقوله {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وعلى عمر المجدّ في ظهور الإسلام فما ضعف ولا ونى، وعلى عثمان الذي رضي بالقدر وقد حل في الفناء الفنا، وعلى علي القريب في النسب وقد نال المنى، وعلى سائر آله وأصحابه الكرام الأمناء، وسلم تسليماً.
    إخواني: سبق في المجلس الثالث أن فرض الصيام كان في أول الأمر على مرحلتين، ثم استقرت أحكام الصيام، فكان الناس فيها أقساماً عشرة:
    القسم الأول: المسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع.
    فيجب عليه صوم رمضان أداء في وقته، لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" متفق عليه.
    وأجمع المسلمون على وجوب الصيام أداءً على من وضحنا
    فأما الكافر: فلا يجب عليه الصيام ولا يصح منه؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة، فإذا أسلم في أثناء شهر رمضان لم يلزمه قضاء الأيام الماضية، لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف}.
    وإن أسلم في



    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:25 am





    ص -27- أثناء يوم منه لزمه إمساك بقية اليوم لأنه صار من أهل الوجوب حين وقت وجوب الإمساك.
    القسم الثاني: الصغير.
    فلا يجب عليه الصيام حتى يبلغ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق" رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الحاكم. لكن يأمره وليه بالصوم إذا أطاقه تمريناً له على الطاعة ليألفها بعد بلوغه، اقتداء بالسلف الصالح رضي الله عنهم، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصومون أولادهم وهم صغار، ويذهبون إلى المسجد فيجعلون لهم اللعبة من العهنيعني: الصوف أو نحوه. فإذا بكوا من فقد الطعام أعطوهم اللعبة يتلهون بها.
    وكثير من الأولياء اليوم يغفلون عن هذا الأمر، ولا يأمرون أولادهم بالصيام، بل إن بعضهم يمنع أولاده من الصيام مع رغبتهم فيه، يزعم أن ذلك رحمة بهم. والحقيقة أن رحمتهم هي القيام بواجب تربيتهم على شعائر الإسلام وتعاليمه القيمة، فمن منعهم من ذلك أو فرط فيه كان ظالماً لهم ولنفسه أيضاً. نعم، إن صاموا فرأى عليهم ضرراً بالصيام فلا حرج عليه في منعهم منه حينئذ.
    ويحصل بلوغ الذكر بواحد من أمور ثلاثة:
    أحدها: إنزال المنى باحتلام أو غيره، لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" متفق عليه.
    الثاني: نبات شعر العانة، وهو الشعر الخشن ينبت حول القبل، لقول عطية القرظي رضي الله عنه: "عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فمن كان محتلماً أو أنبت عانته قتل، ومن لا ترك" رواه أحمد والنسائي وهو صحيح.
    الثالث: بلوغ تمام خمسَ عشرةَ سنة، لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة

    ص -28- سنة فلم يجزني يعني: للقتال " زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: "ولم يرني بلغت، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجزاني" زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: "ورآني بلغت" رواه الجماعة. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث، فقال: "إن هذا الحد بين الصغير والكبير" وكتب لعماله أن يفرضوا "يعني: من العطاء" لمن بلغ خمس عشرة سنة. رواه البخاري.
    ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذكر، وزيادة أمر رابع وهو الحيض، فمتى حاضت الأنثى فقد بلغت، فيجري عليها قلم التكليف وإن لم تبلغ عشر سنين. وإذا حصل البلوغ أثناء نهار رمضان فإن كان من بلغ صائماً أتم صومه ولا شيء عليه، وإن كان مفطراً لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وجوب الإمساك.
    القسم الثالث: المجنون، وهو فاقد العقل.
    فلا يجب عليه الصيام، لما سبق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة" الحديث. ولا يصح منه الصيام لأنه ليس له عقل يعقل به العبادة وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى". فإن كان يجن أحياناً ويفيق أحياناً لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جُنَّ في أثناء النهار لم يبطل صومه كما لو أغمى عليه بمرض أو غيره، لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة ولا دليل على البطلان، خصوصاً إذا كان معلوماً أن الجنون ينتابه في ساعات معينة. وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون. وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان لزمه إمساك بقية يومه، لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه كالصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم.
    القسم الرابع: الهرم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه.
    فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه، فأشبه الصبي قبل التمييز، فإن كان يميز أحياناً ويهذي أحياناً وجب عليه الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه، والصلاة كالصوم لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حال تمييزه.



    ص -29- القسم الخامس: العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يرجى زواله،
    كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه كصاحب السرطان ونحوه.
    فلا يجب عليه الصيام لأنه لا يستطيعه، وقد قال الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا}، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً، لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فرض الصيام، فتعين أن يكون بدلاً عن الصيام عند العجز عنه لأنه معادله.
    ويخير في الإطعام بين أن يفرقه حباً على المساكين، لكل واحد مد من البر ربع الصاع النبوي، ووزنه أي: المد نصف كيلو وعشرة غرامات بالبر الرزين الجيد. وبين أن يصلح طعاماً فيدعو إليه مساكين بقدر الأيام التي عليه، قال البخاري رحمه الله: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطلق الصيام فقد أطعم أنس بعد ما كبر عاماً أوعامين كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر". وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان: أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً. رواه البخاري.
    إخواني: الشرع حكمة من الله تعالى، ورحمة رحم الله به عباده، لأنه شرع مبني على التسهيل والرحمة، وعلى الإتقان والحكمة، أوجب الله به على كل واحد من المكلفين ما يناسب حاله ليقوم كل أحد بما عليه، منشرحاً به صدره، ومطمئنة به نفسه، يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.
    فاحمدوا الله أيها المؤمنون على هذا الدين القيم، وعلى ما أنعم به عليكم من هدايتكم له، وقد ضل عنه كثير من الناس، واسألوه أن يثبتكم عليه إلى الممات.
    اللهم إنا نسالك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ياذا الجلال والإكرام، يا منان، يا بديع السموات والأرض، يا حي يا قيوم، نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تجعلنا ممن رضى بك رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ونسألك أن تثبتنا على ذلك إلى الممات، وأن تغفر لنا الخطايا والسيئات، وأن تهب لنا منك رحمة إنك أنت الوهاب.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأهله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.



    ص -30- المجلس السابع: في طائفة من أقسام الناس في الصيام
    الحمد لله المتعالي عن الأنداد، المقدس عن النقائص والأضداد، المنتزه عن الصاحبة والأولاد، رافع السبع الشداد، عالية بغير عماد، واضع الأرض للمهاد، مثبتة بالراسيات الأطواد، المطلع على سر القلوب ومكنون الفؤاد، مقدر ما كان وما يكون من الضلال والرشاد، في بحار لطفه تجرى مراكب العباد، وفي ميدان حبه تجول خيل الزهاد، وعنده مبتغى الطالبين ومنتهى القصاد، وبعينه ما يتحمل المتحملون من أجله في الاجتهاد، يرى دبيب النمل الأسود في السواد، ويعلم ما توسوس به النفس في باطن الاعتقاد، جاد على السائلين فزادهم من الزاد، وأعطى الكثير للعاملين المخلصين في المراد. أحمده حمداً يفوق على الأعداد، وأشكره على نعمه وكلما شكر زاد.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الرحيم بالعباد. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الخلق في كل البلاد. صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي بذل من نفسه وماله وجاد، وعلى عمر الذي بالغ في نصر الإسلام وأجاد، وعلى عثمان الذي جهز جيش العسرة فيا فخره يوم يقوم الأشهاد، وعلى علي المعروف بالشجاعة والجلاد، وعلى جميع الآل والأصحاب والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليماً.
    إخواني: قدمنا الكلام عن خمسة أقسام من الناس في أحكام الصيام، ونتكلم في هذا المجلس عن طائفة أخرى من تلك الأقسام:
    فالقسم السادس: المسافر إذا لم يقصد بسفره التحيل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام والصيام واجب عليه حينئذ. فإذا لم يقصد التحيل فهو مخير بين الصيام والفطر، سواء طالت مدة سفره أم قصرت، وسواء كان سفره طارئاً لغرض أم مستمراً، كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة، لعموم قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ



    ص -31- أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن". وفي سنن أبي داود عن حمزة ابن عمرو الأسلمي أنه قال: "يا رسول الله، إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني: رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب، فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون على من أن أؤخره فيكون ديناً على، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجرى أم أفطر ؟ قال: "أي ذلك شئت يا حمزة".
    فإذا كان صاحب سيارة الأجرة يشق عليه الصوم في رمضان في السفر من أجل الحر مثلاً، فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسر فيه الصيام عليه.
    والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لأنه أسرع في إبراء ذمته وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة". وأفطر صلى الله عليه وسلم مراعاة لأصحابه حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه" رواه مسلم. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، فقال: "اشربوا أيها الناس" فأبوا، فقال: "إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب" فأبوا، فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذه



    ص -32- فنزل فشرب، وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب صلى الله عليه وسلم" رواه أحمد.
    وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم فإنه يفطر ولا يصوم في السفر، ففي حديث جابر السابق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أفطر حين شق الصوم على الناس قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أولئك العصاة، أولئك العصاة" رواه مسلم.
    وفي الصحيحين، عن جابر أيضاً: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا ؟" قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر".
    وإذا سافر الصائم في أثناء اليوم وشق عليه إكمال صومه جاز له الفطر إذا خرج من بلده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام وصام الناس معه حتى بلغ كُرَاع الغميم، فلما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام أفطر وأفطر الناس معه.
    وكُرَاع الغميم: جبل أسود في طرف الحرة يمتد إلى الوادي المسمى بالغميم بين عسفان ومر الظهران.
    وإذا قدم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطراً لم يصح صومه ذلك اليوم، لأنه كان مفطراً في أول النهار، والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزمه الإمساك بقية اليوم ؟.
    اختلف العلماء في ذلك. فقال بعضهم: "يجب عليه أن يمسك بقية اليوم احتراماً للزمن، ويجب عليه القضاء أيضاً لعدم صحة صوم ذلك اليوم". وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله.
    وقال بعض العلماء: "لا يجب عليه أن يمسك بقية ذلك اليوم، لأنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئاً لوجوب القضاء عليه، وحرمة الزمن قد زالت بفطره المباح له أول النهار ظاهراً وباطناً" قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ومن أكل أول النهار فليأكل آخره" أي: من حل له الأكل أول النهار بعذر حل له الأكل آخره. وهذا مذهب



    ص -33- مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد. ولكن لا يعلن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر فيساء به الظن، أو يقتدى به.
    القسم السابع: المريض الذي يرجى برؤ مرضه، وله ثلاث حالات:
    أحدها: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره. فيجب عليه الصوم، لأنه ليس له عذر يبيح الفطر.
    الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره. فيفطر، لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، ويكره له الصوم مع المشقة، لأنه خروج عن رخصة الله تعالى وتعذيب لنفسه، وفي الحديث: "إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما.
    الحالة الثالثة: أن يضره الصوم. فيجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم لقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما}، وقوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لنفسك عليك حقاً" رواه البخاري. ومن حقها: أن لا تضرها مع وجود رخصة الله سبحانه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه ابن ماجه والحاكم، قال النووي: "وله طرق يقوّي بعضها بعضاً".
    وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم وشق عليه إتمامه جاز له الفطر لوجود المبيح للفطر. وإذا برئ في نهار رمضان وهو مفطر لم يصح أن يصوم ذلك اليوم لأنه كان مفطراً في أول النهار، والصوم لا يصح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزمه أن يمسك بقية يومه ؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطراً.
    وإذا ثبت بالطب أن الصوم يجلب المرض أو يؤخر برءه جاز له الفطر محافظة على صحته واتقاءً للمرض، فإن كان يرجى زوال هذا الخطر انتظر



    ص -34- حتى يزول، ثم يقضي ما أفطر، وإن كان لا يرجى زواله فحكمه حكم القسم الخامس: يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.
    اللهم وفقنا للعمل بما يرضيك، وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو عبيدة الأثري
    مدير

    عدد الرسائل : 642
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 109
    تاريخ التسجيل : 23/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو عبيدة الأثري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 12:27 am

    -35- المجلس الثامن: في بقية أقسام الناس في الصيام وأحكام القضاء
    الحمد لله الواحد العظيم الجبار، القدير القوي القهار، المتعالي عن أن تدركه الخواطر والأبصار، وَسَمَ كل مخلوق بسمة الافتقار، وأظهر آثار قدرته بتصريف الليل والنهار، يسمع أنين المدْنِف يشكو ما به من الأضرار، ويبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الغار، ويعلم خفي الضمائر ومكنون الأسرار، صفاته كذاته والمشبّهة كفار، نُقِرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآن والأخبار، أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمَّن أسس بنيانه على شفا جرف هار. أحمده سبحانه على المسارّ والمضار.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالخلق والتدبير، وربك يخلق ما يشاء ويختار.
    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الأنبياء الأطهار. صلى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقه في الغار، وعلى عمر قامع الكفار، وعلى عثمان شهيد الدار، وعلى علي القائم بالأسحار، وعلى آله وأصحابه خصوصاً المهاجرين والأنصار، وسلّم تسليماً.
    إخواني: قدمنا الكلام عن سبعة أقسام من أقسام الناس في الصيام، وهذه بقية الأقسام:
    فالقسم الثامن: الحائض.
    فيحرم عليها الصيام ولا يصح منها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟" قلن: بلى، قال: "فذلك نقصان عقلها" أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟" قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها" متفق عليه.
    والحيض دم طبيعي يعتاد المرأة في أيام معلومة.



    ص -36- وإذا ظهر الحيض منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة بطل صوم يومها ولزمها قضاؤه، إلا أن يكون صومها تطوعاً فقضاؤه تطوع لا واجب.
    وإذا طهرت من الحيض في أثناء نهار رمضان لم يصح صومها بقية اليوم لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وهل يلزمها الإمساك بقية اليوم ؟، فيه خلاف بين العلماء، سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطراً.
    وإذا طهرت في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم، لأنها من أهل الصيام وليس فيها ما يمنعه فوجب عليها الصيام، ويصح صومها حينئذ وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه يصح صومه، لقول عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان" متفق عليه.
    والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم.
    ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي فاتتهما، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}. وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟. قالت: "كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" متفق عليه.
    القسم التاسع: المرأة إذا كانت مرضعاً أو حاملاً وخافت على نفسها أو على الولد من الصوم، فإنها تفطر، لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، والصوم عن المسافر وعن المرضع والحبلى" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة.
    ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسر لها ذلك ويزول عنها الخوف كالمريض إذا برأ.
    القسم العاشر: من احتاج للفطر لدفع ضرورة غيره، كإنقاذ معصوم من غرق أو حريق أو هدم أو نحو ذلك. فإذا كان لا يمكنه إنقاذه إلا بالتقوّي عليه بالأكل والشرب جاز له الفطر، بل وجب الفطر حينئذ لأن إنقاذ المعصوم



    ص -37- من الهلكة واجب، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره.
    ومثل ذلك: من احتاج إلى الفطر للتقوى به على الجهاد في سبيل الله في قتاله العدو، فإنه يفطر ويقضي ما أفطر، سواء كان ذلك في السفر أو في بلده إذا حضره العدو، لأن في ذلك دفاعاً عن المسلمين وإعلاء لكلمة الله عز وجل، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم" فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم مصبِّحو عدوِّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا" وكانت عزمة فأفطرنا".
    ففي هذا الحديث إيماءٌ إلى أن القوة على القتال سبب مستقل غير السفر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل علة الأمر بالفطر القوة على قتال العدو دون السفر، ولذلك لم يأمرهم بالفطر في المنزل الأول.
    وكل من جاز له الفطر بسبب مما تقدم فإنه لا ينكر عليه إعلان فطره إذا كان سببه ظاهراً كالمريض والكبير الذي لا يستطيع الصوم، وأما إن كان سبب فطره خفياً كالحائض ومن أنقذ معصوماً من هلكة فإنه يفطر سراً ولا يعلن فطره لئلا يجر التهمة إلى نفسه، ولئلا يغتر به الجاهل فيظن أن الفطر جائز بدون عذر.
    وكل من لزمه القضاء من الأقسام السابقة فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطرها، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، فإن كان الشهر ثلاثين يوماً لزمه ثلاثون يوماً، وإن كان تسعة وعشرين يوماً لزمه تسعة وعشرون يوماً فقط.
    والأولى المبادرة بالقضاء من حين زوال العذر، لأنه أسبق إلى الخير، وأسرع في إبراء الذمة.
    ويجوز تأخيره إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني بعدد الأيام التي عليه، لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.



    ص -38- ومن تمام اليسر جواز تأخير قضائها، فإذا كان عليه عشرة أيام من رمضان جاز تأخيرها إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني عشرة أيام.
    ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر، لقول عائشة رضي الله عنها: "كان يكون على الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" رواه البخاري. ولأن تأخيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم وربما يعجز عنه أو يموت. ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الأولى إلى وقت الثانية كالصلاة.
    فإن استمر به العذر حتى مات فلا شيء عليه، لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها فسقطت عنه، كمن مات قبل دخول شهر رمضان لا يلزمه صومه. فإن تمكن من القضاء ففرط فيه حتى مات صام وليه عنه جميع الأيام التي تمكن من قضائها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه. ووليه: وارثه أو قريبه، ويجوز أن يصوم عنه جماعة بعدد الأيام التي عليه في يوم واحد، قال البخاري: قال الحسن: "إن صام عنه ثلاثون رجلاً يوماً واحداً جاز". فإن لم يكن له ولي أو كان له ولي لا يريد الصوم عنه أطعم من تركته عن كل يوم مسكين، بعدد الأيام التي تمكن من قضائها، لكل مسكين مد بر بالبر الجيد: نصف كيلو وعشرة غرامات.
    إخواني: هذه أقسام الناس في أحكام الصيام، شرع الله فيها لكل قسم ما يناسب الحال والمقام، فاعرفوا حكمة ربكم في هذه الشريعة، واشكروا نعمته عليكم في تسهيله وتيسيره، واسألوه الثبات على هذا الدين إلى الممات.
    اللهم اغفر لنا ذنوباً حالت بيننا وبين ذكرك، واعف عن تقصيرنا في طاعتك وشكرك، وأدم علينا لزوم الطريق إليك، وهب لنا نوراً نهتدي به إليك، اللهم أذقنا حلاوة مناجاتك، واسلك بنا سبيل أهل مرضاتك، اللهم أنقذنا من دركاتنا، وأيقظنا من غفلاتنا، وألهمنا رشدنا، وأحسن بكرمك قصدنا، اللهم احشرنا في زمرة المتقين، وألحقنا بعبادك



    ص -39- الصالحين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



    ص -40- المجلس التاسع: في حكم الصيام
    الحمد لله مدبر الليالي والأيام، ومصرف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام، المتفرد بالعظمة والبقاء والدوام، المتنزه عن النقائص ومشابهة الأنام، يرى ما في داخل العروق وبواطن العظام، ويسمع خفي الصوت ولطيف الكلام إله رحيم كثير الإنعام، ورب قدير شديد الانتقام، قدّر الأمور فأجراها على أحسن نظام، وشرع الشرائع فأحكمها أيما إحكام، بقدرته تهب الرياح ويسير الغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام. أحمده على جليل الصفات وجميل الإنعام، وأشكره شكر من طلب المزيد ورام. وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تحيط به العقول والأوهام.
    وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه وسلّم، وعلى صاحبه أبي بكر السابق إلى الإسلام، وعلى عمر الذي إذا رآه الشيطان هام، وعلى عثمان الذي جهز بماله جيش العسرة وأقام، وعلى عليٍّ البحر الخضم والأسد الضرغام، وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليماً.
    عباد الله: اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه له الحكم التام والحكمة فيما خلقه وفيما شرعه، فهو الحكيم في خلقه وفي شرعه، لم يخلق عباده لعباً، ولم يتركهم سدى، ولم يشرع لهم الشرائع عبثاً، بل خلقهم لأمر عظيم، وهيأهم لخطب جسيم، وبين لهم الصراط المستقيم، وشرع لهم الشرائع يزداد بها إيمانهم، وتكمل بها عبادتهم، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وليس جهلنا بحكمة شيء من العبادات دليلاً على أنه لا حكمة لها، بل هو دليل على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً}.



    ص -41- وقد شرع الله العبادات ونظم المعاملات ابتلاءً وامتحاناً لعباده، ليتبين بذلك من كان عابداً لمولاه ممن كان عابداً لهواه:
    فمن تقبل هذه الشرائع وتلك النظم بصدر منشرح ونفس مطمئنة فهو عابد لمولاه، راض بشريعته، مقدم لطاعة ربه على هوى نفسه.
    ومن كان لا يقبل من العبادات، ولا يتبع من النظم إلا ما ناسب رغبته، ووافق مراده؛ فهو عابد لهواه، ساخط لشريعة الله، معرض عن طاعة ربه، جعل هواه متبوعاً لا تابعا، وأراد أن يكون شرع الله تابعاً لرغبته، مع قصور علمه وقلة حكمته: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}.
    ومن حكمة الله سبحانه أن جعل العبادات متنوعة ليتمحص القَبُول والرضى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، فإن من الناس من قد يرضى بنوع من العبادات ويلتزم به، ويسخط نوعاً آخر ويفرط فيه، فجعل الله من العبادات ما يتعلق بعمل البدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة، ومنها ما يتعلق بعمل البدن وبذل المال جميعاً كالحج والجهاد، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها ومشتهياتها كالصيام، فإذا قام العبد بهذه العبادات المتنوعة وأكملها على الوجه المطلوب منه دون سخط أو تفريط، فتعب وعمل وبذل مما كان محبوباً إليه، وكف عما تشتهيه نفسه طاعة لربه وامتثالاً لأمره ورضاً بشرعه كان ذلك دليلاً على كمال عبوديته، وتمام انقياده ومحبته لربه وتعظيمه له، فتحقق فيه وصف العبودية لله رب العالمين.
    إذا تبين ذلك فإن للصيام حِكَماً كثيرة استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام، وركناً من أركانه.
    فمن حِكَم الصيام: أنه عبادة لله تعالى، يتقرب العبد فيها إلى ربه بترك محبوباته ومشتهياته من طعام وشراب ونكاح، فيظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله، وقوة محبته له ورجائه ما عنده، فإن الإنسان لا يترك محبوباً له إلا لما هو أعظم عنده منه، ولَمَّا علم المؤمن أن رضا الله في الصيام بترك شهواته المجبول على محبتها قدم رضا مولاه على هواه، فتركها أشد ما يكون شوقاً إليه، لأن لذته وراحة نفسه في ترك ذلك لله عز وجل، ولذلك كان كثير



    ص -42- من المؤمنين لو ضرب أو حبس على أن يفطر يوماً من رمضان بدون عذر لم يفطر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام وأعظمها.
    ومن حكم الصيام: أنه سبب للتقوى، كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري. وإذا كان الصائم متلبساً بالصيام فإنه كلما هم بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن سابه أو شاتمه: "إني امرؤ صائم" تنبيهاً له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيراً لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم.
    ومن حكم الصيام: أن القلب يتخلى للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يُقَسِّى القلب ويُعمى عن الحق، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخفيف من الطعام والشراب، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وفي صحيح مسلم أن حنظلة الأُسيديّ وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: نافق حنظلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك ؟" قال: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيراً" الحديث "ص: 94 95، ج 8". وقال أبو سليمان الدراني: "إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت عمي القلب".
    ومن حكم الصيام: أن الغَنِيَّ يعرف به قدر نعمة الله عليه بالغنى، حيث أنعم الله تعالى عليه بالطعام والشراب والنكاح وقد حرمها كثيراً من الخلق، فيحمد الله على هذه النعمة، ويشكره على هذا التيسير، ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يبيت طاوياً جائعاً فيجود عليه بالصدقة، يكسو بها عورته،



    ص -43- ويسد بها جوعته، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.
    ومن حكم الصيام: التمرن على ضبط النفس، والسيطرة عليها، والقوة على الإمساك بزمامها حتى يتمكن من التحكم فيها، ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها أوقعته في المهالك، وإذا ملك أمرها وسيطر عليها تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب، وأسنى المطالب.
    ومن حكم الصيام: كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق، فإن الشبع والري ومباشرة النساء يحمل كل منها على الأشر والبطر والعلو والتكبر على الخلق وعن الحق، وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها، فإذا تمكنت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها، فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سبباً لهلاكها، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
    ومن حكم الصيام: أن مجاري الدم تضيق بسبب الجوع والعطش فتضيق مجاري الشيطان من البدن، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" متفق عليه.
    ومن حكم الصيام: ما يترتب عليه من الفوائد الصحية التي تحصل بتقليل الطعام، وإراحة جهاز الهضم لمدة معينة، وترسب بعض الرطوبات والفضلات الضارة بالجسم، وغير ذلك.
    فما أعظم حكمة الله وأبلغها، وما أنفع شرائعه للخلق وأصلحها !.
    اللهم فقهنا في دينك، وألهمنا معرفة أسرار شريعتك، وأصلح لنا شؤون ديننا ودنيانا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين





    _________________
    يقول الشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله في رسالته - عوائق الطلب -(فـيا من آنس من نفسه علامة النبوغ والذكاء لا تبغ عن العلم بدلا ، ولا تشتغل بسواه أبدا ، فإن أبيت فأجبر الله عزاءك في نفسك،وأعظم أجر المسلمين فـيك،مــا أشد خسارتك،وأعظم مصيبتك)

    أبو حارثة الأثري الجزائري
    المشرف العام

    ذكر عدد الرسائل : 411
    الرتبة :
    السٌّمعَة : 1
    نقاط : 5
    تاريخ التسجيل : 24/05/2008

    رد: مجالس شهر رمضان للعلامة ابن اعثيمين رحمه الله

    مُساهمة من طرف أبو حارثة الأثري الجزائري في الثلاثاء سبتمبر 09, 2008 1:16 am

    بارك الله في جهودك و أحسن إليك و رحم الله شيخنا العلامة محمدا و طيب ثراه


    _________________
    http://alsalaf.3oloum.org/index.htm
    http://www.up1up2.com/up/index.php?do=9563


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يناير 17, 2017 5:47 am